على طاولة نقاش المنتدى السعودي للإعلام 2026، تبرز الرياضات الإلكترونية أحد أكثر الملفات قدرة على كشف التحول في صناعة الإعلام نفسها؛ لأن الحديث هنا يدور حول جمهور جديد، وسلوك تفاعلي مختلف، ووتيرة محتوى تتغير من لحظة إلى أخرى، وهذا التحول يضع سؤالاً مهنياً حاسماً أمام المنصات الإخبارية وصناع المحتوى: كيف تُبنى القصة الإعلامية عندما يصبح التفاعل جزءاً من المشهد، وعندما تفرض الرياضات الإلكترونية لغة وتوقيتاً ومحتوى يتبدل بسرعة، وعندما تتداخل القصة مع اقتصاد الترفيه الرقمي وعوائده؟

وتلتقط جلسات المنتدى هذا التحول من زاويتين واضحتين، تُعيد كل منهما ترتيب فهمنا للقصة الإعلامية في عصر الألعاب والرياضات الإلكترونية، فجلسة «امبراطوريات الألعاب الإلكترونية… استراتيجيات الصعود» تضع مستقبل النمو في الألعاب الإلكترونية في الواجهة، وتسلط الضوء على اتساع تأثيرها الثقافي والاجتماعي، وعندما يتسع التأثير، تتسع معه القصة الإعلامية الممكنة: الجمهور لا يتابع حدثاً معزولاً، وإنما يتابع مساحة اجتماعية وثقافية تتشكل حول هذا العالم الرقمي، ومع هذا التوسع، تصبح القصة أقل اعتماداً على التغطية التقليدية، وأكثر ارتباطاً بفهم طبيعة الجمهور واهتماماته، وكيف يتلقى الرسائل بسرعة ويعيد توزيعها عبر التفاعل؟ وهنا يفرض القطاع على الإعلام قواعد لعب جديدة: توقيت يتقدم، وتوقعات أعلى، وحاجة دائمة لصياغة الفكرة بصورة واضحة وسريعة، دون أن تفقد المعنى.

ومن هذه النقطة، يتضح محور المنتدى الذي يناقش تحليل تأثير الرياضات الإلكترونية على الجمهور والإعلام، وكيف يفرض هذا القطاع لغة وتوقيتاً ومحتوى مختلفاً، فالقصة لم تعد تُصاغ على مهل، ولا تُقدّم بتراكم بطيء؛ لأن الجمهور التفاعلي يتعامل مع المحتوى بوصفه تدفقاً متصلاً، فالقارئ أو المتابع يريد أن يعرف ماذا يحدث بسرعة؟ ولماذا يهمه بوضوح؟ وكيف يمكنه أن يتفاعل فوراً؟ وهذا ينعكس على شكل القصة نفسها: مقدمة أكثر مباشرة، ومعلومات أهم تُقدّم أولاً وفق الهرم المقلوب، وجُمل أقصر، وإيقاع يراعي تعدد الأعمار.

وتنتقل جلسة “العصر العالمي للألعاب – كيف أصبحت الجبهة الجديدة لقطاع الإعلام والترفيه؟” إلى بعدٍ أوسع، فتناقش ما تمثله الألعاب الإلكترونية اليوم من واجهة إعلامية وترفيهية جديدة، وتحولها إلى علامات تجارية عالمية، تُقدّم قصصاً ذات تأثير يتجاوز الحدود الجغرافية، هنا يتغير شكل القصة الإعلامية؛ لأن موضوعها يتحرك بين المحلي والعالمي في الوقت نفسه، فالقصة تحتاج لغة قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، وتحتاج توقيتاً يواكب التدفق السريع للأحداث، وتحتاج بناءً يوازن بين الجاذبية والوضوح. ومع اتساع نطاق الاهتمام، تظهر أسئلة التغطية من جديد: كيف يُعرض الموضوع بحيث يظل مفهوماً لجميع الأعمار، وكيف تبقى القصة مرتبة ومنسابة، وكيف تُقدّم فكرة واضحة دون أن تُثقل على القارئ بجمل طويلة؟

ويتقاطع هذا كله مع محور المنتدى: «جمهور تفاعلي لا يكتفي بالمشاهدة»، وكيف يتغير شكل القصة؟ وفي الرياضات الإلكترونية، التفاعل عنصر بنيوي في التجربة، وهو ما يدفع الإعلام إلى التفكير في هندسة القصة: كيف تُختار الزاوية؟ وكيف تُبنى الفكرة؟ وكيف تُقدّم المعلومات الأكثر أهمية مبكراً؟ والجمهور لا ينتظر اكتمال السرد كي يتفاعل، وهذا يجعل القصة مطالبَة بأن تكون شديدة التركيز، واضحة الفكرة، متوازنة في اللغة، وقادرة على الحفاظ على اهتمام القارئ دون التفاف.

ويظهر البعد الاقتصادي عبر محور «اقتصاديات الترفيه الرقمي: أين تتكون العوائد؟» في عالم تتحرك فيه الاهتمامات بسرعة، تصبح العوائد جزءاً من فهم المشهد، وهذا السؤال يضع الإعلام أمام ضرورة قراءة البيئة الرقمية التي تتحول فيها المتابعة إلى قيمة، ويصبح فيها الاهتمام الجماهيري عاملاً يؤثر في طبيعة المحتوى وتوقيته، وضمن سياق المنتدى السعودي للإعلام 2026، ينسجم هذا النقاش مع هدف المنتدى في استكشاف التحديات والفرص التي تسهم في تطوير الصناعة الإعلامية على المستويين المحلي والإقليمي؛ لأن فهم العوائد يساعد على فهم لماذا تتقدم موضوعات بعينها إلى صدارة الاهتمام، وكيف تُصاغ قصة قابلة للوصول إلى جمهور واسع.

ويكشف المنتدى السعودي للإعلام 2026 عبر الجلستين والمحاور المصاحبة، أن الرياضات الإلكترونية أعادت تشكيل القصة الإعلامية عبر ثلاثة مفاتيح: جمهور تفاعلي يغيّر شكل التلقي، ولغة وتوقيت ومحتوى يفرضها القطاع بسرعة، وأسئلة عوائد وعمق تدفع الإعلام إلى تطوير أدواته دون التفريط في الوضوح، ومن يقرأ هذا التحول جيداً، يكتب قصة تُفهم بسهولة، وتُقدّم معنى واضحاً، وتخاطب جمهوراً من مختلف الأعمار.

شاركها.
Exit mobile version