تبرز تجربة الكاتب الإماراتي علي الشعالي في فضاءات مهرجان طيران الإمارات للآداب الذي يواصل فعاليات دورته الـ18 في دبي، لتكرس صوتاً رصيناً يمزج بين دقة وموضوعية الناشر وحساسية المبدع، الذي يلتقي بجمهوره في دورة المهرجان هذا العام لمناقشة روايته الجديدة «اسمي عليا وهذا أبي».
وتنفتح رؤية الشعالي على آفاق كبيرة وبعيدة بفضل روح دبي التي تسع الجميع، مضيفاً في حواره مع «الإمارات اليوم»: «حياتنا في هذه المدينة تجعلنا في حالة من القبول والانفتاح على كل مختلف»، معرباً عن شكره لكل من آمن بالقلم الإماراتي وقدرته على الوصول بعيداً.
قلق الكتابة
بشفافية، كشف الشعالي عن المشاعر التي ترافق ولادة أي عمل جديد، معتبراً أن الكتابة فعل موجه للقارئ أولاً وأخيراً. وقال: «علينا ألا نكابر.. فنحن نكتب للقراء في المقام الأول، وكل ما عدا ذلك من ثمرات الكتابة ترف.. وعند البدء في عمل جديد تنتابني مشاعر مختلطة، تبدأ بالتحفز أثناء الإنتاج، وما يتخلل العملية الإبداعية من صعود وهبوط للمعنويات على طول الخط، ثم قلق وتشكك في الذات والعمل، كضرورة لإنضاج العمل ودافع لمراجعته، وعلامة على الشعور بالمسؤولية تجاه قراء يحوزون من الدراية والوعي، ما يؤهلهم لنقد الأعمال موضوعياً وفنياً وبقسوة أحياناً، لاسيما في عصر يتيح نشر الآراء على منصات عدة بكبسة زر، عصر تضاءلت فيه المسافات بين القارئ والمؤلف، وما لذلك من حسنات وتبعات».
وحول روايته: «اسمي عليا وهذا أبي» أوضح الشعالي: «صدق النص يأتي من التصاق الكاتب بقضاياه الشخصية والمهنية، ومع الوقت ترسخت لدي قناعات بخصوص ما أنتجه من نصوص، لأكتب عما أشعر به من شغف وارتباك ومخاوف وأمنيات، وعما أعيشه من تجارب، دون مواربة أو تمويه. وسيلاحظ قراء عملي الجديد، أن المحور الرئيس للعمل هو الملكية الفكرية والحقوق الإبداعية وحدود الممكن والممنوع فيها، في إطار اجتماعي معاصر وديناميكي، وهو ما أعيشه يومياً بوصفي كاتباً وناشراً».
وفيما يتعلق ببناء الشخصيات، خاصة عند الكتابة بلسان الأنثى، كشف الشعالي عن منهجه الذي يزاوج بين التخطيط المدروس والمناورة الفنية: «علاقتي بشخصياتي الرئيسة قريبة، لكنها قلقة كما ينبغي لها أن تكون، وتأبى أن تكون آمنة أو رتيبة، وذلك لأنني أؤمن بالتخطيط الأولي للعمل السردي، وأتبع المدارس الحديثة بأن أضع مساراً عاماً للأحداث، وأفكاراً مجملة لتدخل الشخصيات وتفاعلها. ولا أتبنّى الرسم الدقيق لخريطة النص، وأترك مجالاً للتغيير والمناورة، وفسحة لقلمي ولتلك الشخصيات التي تصبح مع التصاعد الدرامي، حقيقية إلى حد لا يمكن وصفه، وهذا سحر الأدب الأكبر، حيث يفتح نوافذ على عوالم شاسعة الرحابة، لنتشاركها بخيالنا عبر اللغة».
وعن انعكاس الكتابة الروائية على مفاهيمه الشخصية حول «الأب» و«الأسرة»، قال المبدع الإماراتي: «الأدب مرآة للكاتب نفسه، والحقيقة أنني فوجئت بمدى انشغالي بعلاقة الأب بابنته على وجه الخصوص، وكيف أن البنت يمكن أن تكون السند الحقيقي والملجأ الأخير لأبيها، لهذا السبب لن أذهب بعيداً في التأويل، بل سأكتفي بالاعتراف أن التفاعل الاجتماعي بتعقيداته وبواعث التأمل فيه، أبرز العناصر الفكرية في مشاريعي السردية».
عن العائلة والذاكرة
وفي تحليله العميق لأهمية الكتابة عن العائلة والذاكرة في الأدب العربي اليوم، أطلق الشعالي تحذيراً من ضياع الهوية في عصر التكنولوجيا، قائلاً: «ماذا لدينا أهم من الذاكرة؟ ألا يجدر بنا أن نكافح للمحافظة عليها في عصر التسطيح وتفويض الآلة؟ تعود الحضارة الإنسانية إلى خانة الصفر دون هذا المستودع المنظم بإحكام. أما العائلة، فهي الصورة المصغرة لهذا العالم الكبير، والحديث عنها حديث الإنسان للإنسان، على اختلاف الزمان والمكان».
وحول القارئ الذي يخاطبه، يرفض الشعالي صاحب الخمس مجموعات شعرية الانحباس في تعريفات ضيقة، مستمداً فلسفته ورؤيته الأدبية من روح مدينة دبي، موضحاً: «أكتب بأقل محدّدات ممكنة، وأظن أن حياتنا في دبي تجعلنا في حالة من القبول والانفتاح على كل مختلف، ولذلك أرجو أن ينتج القارئ أسئلته الخاصة عن التحولات التي تعصف بالأسرة في هذا العالم المتسارع، وأن يستطيع النظر من جهات عدة إلى الأحقية في استخدام المعلومات بوفرتها الهائلة».
واختتم الشعالي بنظرة تفاؤلية لحضور الأدب الإماراتي عالمياً «إذ قطعنا شوطاً كبيراً، والفضل يعود لمؤسسات تؤمن بالقلم الإماراتي، كفريق مؤسسة الإمارات للآداب وهيئة الثقافة والفنون في دبي عبر مبادرة تصدير المواهب الإماراتية، التي ترشح الأسماء لأهم المهرجانات العالمية، لمد الجسور بين الثقافات وجعل العالم أكثر جمالاً».
نجاحات
يحفل السجل الإبداعي للكاتب والشاعر والروائي ومؤسس دار الهدهد للنشر، علي الشعالي، بإنجازات عدة، فقد نشر خمس مجموعات شعرية وروايتين، كما أصدر مقالات وتأملات ثقافية عنوانها «حجرات ذات نوافذ»، ومجموعة قصصية عنوانها «حيوات بنكهة الرمان»، في حين وصلت روايته الأولى «الحيّ الحيّ» للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وفازت بجائزة العويس للإبداع الأدبي.
أما في 2025 فنشر الشعالي روايته الجديدة «اسمي عليا وهذا أبي»، وكُرم بلقب شخصية الدورة الـ20 من مهرجان الشارقة للشعر العربي.
وتُرجمت مجموعته الشعرية «للأرض روح واحدة» للغات عدة، منها الإسبانية والتركية واليونانية والإيطالية والكورية والإنجليزية.
علي الشعالي:
• أدبنا قطع شوطاً كبيراً، والفضل يعود لمؤسسات تؤمن بالقلم الإماراتي، مثل مبادرة تصدير المواهب الإماراتية.
• ماذا لدينا أهم من الذاكرة؟ ألا يجدر بنا أن نكافح للمحافظة عليها في عصر التسطيح وتفويض الآلة؟
