مع انطلاق أول جلسة تداول بعد اندلاع الحرب، تصدرت أخبار الفضة اليوم المشهد إلى جانب النفط والذهب، في وقت اتجه فيه المستثمرون إلى الأصول الآمنة وابتعدوا عن المخاطر. وارتفع سعر الفضة مقابل الدولار بأكثر من 2.5%، بينما قفز النفط والغاز بقوة، وتراجعت الأسهم وعملات الأسواق الناشئة تحت ضغط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
التحركات العنيفة التي شهدتها الأسواق لم تكن عشوائية، بل عكست محاولة سريعة لإعادة تسعير المخاطر، في ظل مخاوف من تعطل الإمدادات وامتداد الصراع لفترة أطول.
النفط والغاز في صدارة المشهد
كانت أسواق الطاقة أول من تفاعل بقوة. فقد ارتفع النفط في بداية الجلسة بنسبة قاربت 13%، قبل أن يقلص مكاسبه إلى نحو 9.5% ليستقر عند 79.80 دولاراً للبرميل وقت إعداد التقرير.
توقع محللون أن يتداول خام برنت بين 80 و90 دولاراً للبرميل خلال الأسبوع المقبل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يعني تهديداً مباشراً للإمدادات، ما يفسر رد الفعل الحاد.
أما الغاز في أوروبا فقفز بنسبة 25%، في أكبر ارتفاع يومي منذ أكثر من عام، نتيجة المخاوف من تأثر تدفقات الطاقة من المنطقة.
المعادن الثمينة تستفيد من موجة القلق
كما جرت العادة في أوقات الحروب، اتجه المستثمرون إلى الذهب والفضة كملاذات آمنة.
ارتفع الذهب بأكثر من 2.5% ليصل إلى 5410 دولارات للأونصة، بعد أن كان قد سجل مكاسب تفوق 3% في الأسبوع السابق مع تصاعد التوترات.
الفضة بدورها صعدت إلى نحو 95.8 دولار، مستفيدة من عاملين رئيسيين:
- الطلب الاستثماري كملاذ آمن.
- المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد الصناعية.
فالفضة ليست مجرد معدن ثمين، بل لها استخدامات واسعة في الصناعات الإلكترونية والطاقة الشمسية. لذلك، فإن أي توتر جيوسياسي قد يرفع الطلب الاستثماري عليها، لكنه في الوقت ذاته قد يؤثر على جانب العرض.
متى ترتفع الفضة ومتى تنخفض؟
ترتفع الفضة غالباً في الحالات التالية:
- تصاعد التوترات السياسية والعسكرية.
- ضعف الدولار.
- توقعات خفض أسعار الفائدة.
- ارتفاع الطلب الصناعي.
أما تراجعها فيحدث عادة عندما:
- يقوى الدولار بشكل ملحوظ.
- ترتفع عوائد السندات.
- تتراجع التوقعات الاقتصادية الصناعية.
في حالة الحرب الحالية، لعب عامل الخوف دوراً أساسياً في دعم الأسعار، رغم ارتفاع الدولار.
الألمنيوم والمعادن الصناعية تحت المجهر
لم تقتصر المكاسب على المعادن الثمينة فقط، إذ ارتفع الألمنيوم بأكثر من 3% ليصل إلى 3231.50 دولاراً للطن في بورصة لندن للمعادن.
السبب يعود إلى اعتماد منتجي الشرق الأوسط على مضيق هرمز لشحن الإنتاج واستيراد المواد الخام. أي تعطل في هذا المسار البحري يهدد الإمدادات العالمية.
هذا يوضح كيف أن الصراعات الإقليمية قد يكون لها تأثير عالمي واسع يتجاوز حدود المنطقة.
تحركات السندات والعملات
في سوق السندات، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى منذ أكتوبر 2024، في إشارة إلى توجه المستثمرين نحو الأمان.
في المقابل، ارتفع الدولار أمام معظم العملات، مستفيداً من مكانته كعملة احتياط عالمية. وحده الدولار الهونغ كونغي خرج من هذا الاتجاه.
أما عملات الأسواق الناشئة، فقد تراجعت بنسبة 0.7% للجلسة الثانية على التوالي. وتصدرت البيزو الفلبيني والراند الجنوب أفريقي والبات التايلندي قائمة الخسائر، ما يعكس حساسية هذه الاقتصادات تجاه تقلبات رأس المال العالمي.
الأسهم في المنطقة الحمراء
الأسواق الآسيوية سجلت انخفاضاً بنحو 1.3%، بينما تراجعت الأسهم في الأسواق الناشئة بنسبة 1.5%، في أكبر هبوط منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.
القطاعات لم تتحرك في اتجاه واحد، بل انقسمت بوضوح:
- أسهم الطاقة والشحن والدفاع والذهب ارتفعت.
- أسهم الطيران والسفر وشركات النمو تراجعت.
هذا التباين يعكس إعادة توزيع الأموال داخل الأسواق، حيث يفضل المستثمرون الشركات المستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة الإنفاق الدفاعي.
بتكوين بين الصعود والهبوط
العملات المشفرة لم تكن بمنأى عن التقلبات.
ارتفعت بتكوين بنسبة 0.7% لتصل إلى 66150 دولاراً، قبل أن تتراجع لاحقاً بأكثر من 2% إلى ما دون 66 ألف دولار.
هذا التذبذب يعكس حالة عدم اليقين بشأن دور الأصول الرقمية في أوقات الأزمات: هل هي ملاذ بديل أم أصل عالي المخاطر يتأثر بهروب السيولة؟
هل التداعيات قابلة للإدارة؟
يرى بعض المحللين أن الأسواق لا تزال تعتبر السيناريو الأساسي قابلاً للاحتواء، شريطة ألا يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة الأمد تخرج عن السيطرة.
المعادلة الحالية تعتمد على عدة عوامل:
- مدة استمرار الحرب.
- مدى تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.
- ردود الفعل السياسية الدولية.
- تطورات السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا.
إذا بقيت المواجهة محدودة، فقد تهدأ التقلبات تدريجياً. أما في حال التصعيد، فقد نشهد موجة جديدة من الارتفاعات في الطاقة والمعادن، مقابل مزيد من الضغوط على الأسهم وعملات الأسواق الناشئة.
ختاما
أظهر أول يوم تداول بعد الحرب كيف يمكن للأسواق أن تعيد تسعير المخاطر بسرعة لافتة. قفزت أسعار النفط والغاز، وارتفعت المعادن الثمينة، بينما تراجعت الأسهم وعملات الاقتصادات الناشئة تحت ضغط القلق العالمي. في مثل هذه الظروف، تتحدد الاتجاهات وفق تطورات الميدان وردود الفعل السياسية والاقتصادية. الأيام المقبلة ستكون حاسمة في رسم المسار، سواء نحو استقرار تدريجي أو نحو مرحلة جديدة من التقلبات الحادة.
