وسط الغموض الذي بات الصفة الملازمة للواقع اللبناني المحاصر بمجموعة ملفات متفجرة، لا يزال البحث العبثي جارياً على مفتاح الحل الرئاسي الضائع في دهاليز التناقضات السياسية، ولا تزال «الرادارات السياسية» مسلطة باتجاه دور الخارج، المعلن والمضمر منه، فيما الكواليس اللبنانية تضج بالكلام عن أن «البورصة» الرئاسية ستبقى، وحتى إشعار آخر، رهن «الدوْزنة» العازفة على أوتار داخلية وخارجية غير متناغمة.
وفي غمرة أزمة مستعصية على الحلول الممكنة، في المديين القريب والمتوسط، مضى أسبوع آخر من المراوحة في التعطيل، من دون أن يلوح في أفق الأزمة الرئاسية، المستمرة منذ 31 أكتوبر 2022، ما يؤشر إلى انفراج، وسط ثبات أطراف الانقسام الداخلي، كل خلف شروطه، ورفضه الشراكة في بلورة توافق على انتخاب رئيس جديد للبنان.
وعلى ما تؤكد مصادر لـ«البيان»، فقد كان الرهان في الفترة الأخيرة على خرق رئاسي تحققه «الخماسية» الدولية والعربية، فإذا بهذه اللجنة تصطدم بالاختلاف في ما بينها، وعدم التقاء أعضائها على رأي واحد، وهذا معناه، وفق المصادر أن «الخماسية» نعت مهمتها، ووجهت رسالة بالغة الصراحة والوضوح بأن الملف الرئاسي عاد إلى الإقامة الطويلة في دائرة الاستعصاء.
أما موضع الاختلاف، فتلخصه المصادر عينها بقولها، إن «الخماسية» تؤكد في العلن على توافق اللبنانيين على رئيس، ولا «فيتو» على أي مرشح ولا تزكية أو تفضيل لأي مرشح، فيما هي في داخلها موزعة في ثلاثة اتجاهات: الأول لا يزال يضع «الفيتوات» على بعض الأسماء ويشدد على الذهاب إلى «الخيار الثالث»، والثاني لا يرى جدوى من الحوار بين المكونات السياسية، بذريعة أن هذا الحوار ليس محل إجماع بين هذه المكونات ومرفوض من قبل قوى سياسية أساسية، فيما الاتجاه الثالث لا يبدو مستعجلاً لحسم الملف الرئاسي.
إلى ذلك، وبعد مسيرة انطلقت في 21 سبتمبر 2022 في نيويورك، ترددت معلومات مفادها أن اللجنة الخماسية لأجل لبنان وصلت إلى منعطف، سيؤدي إلى أن تصبح «رباعية» بخروج الولايات المتحدة منها، ذلك أن السفيرة الأمريكية في لبنان ليزا جونسون، أسرت في لقاء سياسي قبل أيام، كما تردد، بأن بلادها مقتنعة بوجوب الانسحاب من اللجنة، وبررت هذا الموقف بأنه نتيجة تقييم للهدف الذي حددته لعملها، ألا وهو إجراء الانتخابات الرئاسية، إذ تبين، بعد مضي أكثر من عام وخمسة أشهر، أن هذا الهدف لم يتحقق، كما يبدو أنه غير قابل للتحقق حالياً.
وفي انتظار تسوية ما، تؤهل اللبنانيين للانتقال إلى مرحلة جديدة، فإن ثمة إجماعاً على أن تحرك سفراء «الخماسية» لم يقترن بعد، ومن المستبعد أن يقترن قريباً بتطور دراماتيكي لجهة الدفع بقوة نحو إنجاز الاستحقاق الرئاسي، وبالتالي إعادة تكوين السلطة، التي ستكون مولجة بالعمل على إبرام التفاهمات وما يتصل باتفاقات ترسيم الحدود البرية وإرساء التهدئة والاستقرار جنوباً، وذلك من خلال ملء الفراغ الرئاسي بالرئيس المناسب، والشلل الحكومي بسلطة إجرائية فاعلة، والمراوحة التشريعية بقوانين إصلاحية طال انتظارها. أما النتيجة الطبيعية لما يجري، فهي تطويل عمر الفراغ الرئاسي والعودة إلى الانتظار الطويل في مربع التعطيل، مع ما يعنيه الأمر من كون زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي، جان إيف لودريان، التي قيل إنه سيقوم بها إلى بيروت، قد أصبحت في حكم الملغاة، ربطاً بالاختلاف بين أعضاء «الخماسية»، وعدم إجماعهم على اعتباره وسيطاً يتحرك باسمها.
