تعد المدينة المفقودة (Ciudad Perdida) واحدة من أهم وأشهر المواقع الأثرية في كولومبيا وأمريكا اللاتينية، ليس فقط بسبب طبيعتها الساحرة، بل للحكاية التاريخية الفريدة الكامنة وراءها أيضا، فقد بقيت هذه المدينة مخفية لقرون وسط غابات كثيفة، قبل أن يتم اكتشافها في القرن العشرين.
تقع المدينة في قلب جبال سييرا نيفادا دي سانتا مارتا شمال كولومبيا، وتعد اليوم وجهة سياحية وثقافية فريدة تجمع بين التاريخ العريق والمغامرة والطبيعة الخلابة.
نبذة تاريخية عن المدينة المفقودة
تأسست المدينة المفقودة حوالي عام 800 ميلادي، أي أنها أقدم من مدينة ماتشو بيتشو الشهيرة في بيرو بنحو 600–650 عاما. وقد بنيت على يد حضارة التايرونا (Tairona)، وهي واحدة من أكثر الحضارات الأصلية تطورا في شمال أمريكا الجنوبية قبل وصول الإسبان.
كانت المدينة مركزا سياسيا ودينيا واقتصاديا مهما، وموطنا لآلاف السكان. وقد تميزت حضارة التايرونا بمهاراتها المتقدمة في الهندسة المعمارية الحجرية، وبناء المدرجات والسلالم، وإدارة المياه والزراعة الجبلية، وصناعة الذهب والفخار.
لماذا سميت بالمدينة “المفقودة”؟
لم تكن المدينة “مفقودة” بالمعنى المطلق، إذ إن القبائل الأصلية المحلية مثل كوجي (Kogi) وأرهواكو (Arhuaco) وويوا (Wiwa) كانت تعرف موقعها دائما وتعتبرها مكانا مقدسا. لكن بالنسبة للعالم الخارجي، ظلت المدينة مجهولة تماما بسبب الكثافة الشديدة للغابات الاستوائية وموقعها النائي.
علاوة على ذلك، فإن غياب الطرق أو الإشارات التي تدل عليها، وعدم اهتمام الاستعمار الإسباني بالمنطقة الجبلية مقارنة بالسواحل، لعبت دورا في عزلتها عن العالم الخارجي لقرون طويلة.
اكتشاف المدينة في العصر الحديث
أعيد اكتشاف المدينة في سبعينيات القرن العشرين، وتحديدا عام 1972، عندما عثر عليها لصوص آثار أثناء بحثهم عن الذهب والتحف القديمة. وعندها بدأت قطع أثرية فريدة تظهر في السوق السوداء، ما لفت انتباه السلطات والعلماء.
في عام 1976، بدأ علماء الآثار الكولومبيون العمل رسميا على الموقع، وأطلقوا عليه اسم المدينة المفقودة (Ciudad Perdida). ومنذ ذلك الحين، جرى تنظيف الموقع وتوثيق المدرجات والسلالم الحجرية، وحماية المنطقة باعتبارها موقعا أثريا وطنيا.
الوصف المعماري للمدينة
تتكون المدينة المفقودة من مدرجات حجرية دائرية بنيت على منحدرات الجبال، وسلالم حجرية ضخمة، مسارات حجرية تربط بين المناطق السكنية والدينية، وأنظمة متقدمة لتصريف المياه والأمطار.
لم تُشيد المدينة كوحدة عمرانية متماسكة، وإنما تكوّنت من مجموعة مساحات متصلة، صُممت بما ينسجم مع طبيعة الجبال والبيئة المحيطة بها.
الموقع الجغرافي والطبيعة المحيطة
تقع المدينة المفقودة في سييرا نيفادا دي سانتا مارتا، وهي أعلى سلسلة جبلية ساحلية في العالم، وهي منطقة ذات تنوع بيئي مذهل تشمل غابات مطيرة وأنهار وشلالات. تعد المنطقة محمية طبيعيا وتُصنف ضمن أكثر الأماكن تنوعا بيولوجيا في كولومبيا.
دليلك لزيارة المدينة المفقودة
تتطلب زيارة المدينة المفقودة رحلة مشي طويلة (Trek) تبدأ عادة من مدينة سانتا مارتا. تستغرق الرحلة عادة 4 إلى 5 أيام تشمل المشي عبر الغابات وعبور الأنهار وصعود المرتفعات.
لا يسمح بزيارة المدينة إلا ضمن جولة سياحية منظمة وبوجود مرشدين معتمدين. وتقام الإقامة في مخيمات بسيطة داخل الغابة تشمل الطعام والمياه والخدمات الأساسية.
الأهمية الثقافية والروحية
لا تعد المدينة المفقودة مجرد موقع أثري، بل مكانا مقدسا لدى السكان الأصليين، الذين يعتبرون أنفسهم “حماة الأرض”. وتُظهر زيارة هذا الموقع علاقة الإنسان بالطبيعة، وفلسفة التوازن البيئي، واحترام الإرث الثقافي للشعوب الأصلية.
لماذا تعد المدينة المفقودة وجهة سياحية فريدة؟
تتميز المدينة المفقودة بكونها أقدم من أشهر مواقع أمريكا اللاتينية، وتقدم تجربة مغامرة حقيقية وسط الطبيعة، فضلا عن كونها موقعا غير تجاري على الإطلاق وتفاعلا مباشرا مع ثقافات أصلية حية. تمثل المدينة المفقودة مزيجا نادرا من التاريخ، والغموض، والطبيعة، والثقافة.
تُعد المدينة المفقودة شاهدة حية على حضارة عظيمة سبقت عصرها، ومثالا على قدرة الطبيعة على إخفاء كنوز إنسانية لقرون طويلة. زيارة هذا الموقع ليست مجرد رحلة سياحية، بل رحلة عبر الزمن إلى واحدة من أقدم المدن في القارة الأمريكية. التحديات المستقبلية تركز على الحفاظ على الموقع الطبيعي والثقافي من أي تعديات محتملة مع زيادة أعداد الزوار.
