رام الله- لم يكن مسؤول محطة الحافلات يتوقع، قبيل التاسعة صباحا، أن يرى وجها جديدا في المحطة يسأله عن حافلات الطيرة، إلى الحد الذي جعله يجيب بشكل تلقائي “السرفيس (تاكسي الأجرة) المتوجه إلى الطيرة هناك”، ثم يتفاجأ بالرد من السائل: الطيرة القرية وليس الطيرة الحي.

وهكذا، فقد طغا اسم الحي الذي نشأ أواسط القرن الماضي غرب مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية، على اسم القرية التي يسكنها الفلسطينيون منذ أكثر من 300 عام، والتي تشهد في الآونة الأخيرة تصاعدا في هجمات المستوطنين على فلاحيها وأراضيها.

بعد طريق ملتو يلتف بين الجبال الغربية لمحافظة رام الله والبيرة، وصلت الحافلة إلى القرية الوادعة، وكأي قرية في فلسطين، يكفي كضيف أن تخبر سائق الحافلة أنك ستنزل عند بيت فلان من الناس، ليوصلك، وهكذا هي معالم القرية.

مقارعة وانتهاكات

عند مدخل البيت الذي قصدناه استقبلنا نقش على حجر، يدلل على تاريخ البناء عام 1979، ووراء الباب عالم من النباتات والمطرزات والطيور، تخبر أنك تدخل بيت فلاحين فلسطينيين، وهناك كان يحيى سلامة، الفلاح الفلسطيني في استقبالنا.

في آخر 25 عاما، تفرَّغ سلامة تماما لاستصلاح أرضه وزراعتها في قريته، حيث دأب على زراعة التين والعنب ومحاصيل الخضار والفواكه وبيعها في أسواق رام الله، لكن وصوله اليوم إلى أرضه أصبح مخاطرة حقيقية في ظل استيطان جديد متصاعد يمارسه مستوطنون رعاة على أراضي القرية، مانعين وصول أصحابها إليها بتهديد السلاح.

“في كل مرة أذهب إلى الأرض، خلال دقائق يأتي المستوطنون ويجلسون ويبدؤون بسؤالي وتصوير سيارتي، ويأتون بعشرات الأبقار وعدد من كلاب الحراسة ويهددوننا بأن هذه الأرض كلها لهم وعلينا ألا نرجع إليها، والآن ممنوع أن أصل إليها، أنظر من بعيد وأبكي على هذا العمر” يقول سلامة  للجزيرة نت.

ويشير إلى أن هؤلاء المستوطنين يأتون من البؤرة التي أقاموها على إحدى تلال القرية، لمراقبته والفلاحين الآخرين في كيفية عملهم في الأرض.

5.فلسطين، رام الله، قرية الطيرة، 23 آب 2025، سلام أبوشرار. مشهد لتوسعة مستوطنة جفعات زئيف على أراضي القرية التي تصلها بقرى شمال غرب القدس. الجزيرة نت_
قرية الطيرة حيث تظهر يمين الصورة مدرسة محاطة بأسوار وبنايات مستوطنة بيت حورون (الجزيرة)

لا محصول

في آخر مخاطرة لسلامة في الذهاب إلى أرضه مع شقيقه وابنة شقيقه قبل أسبوعين، وجد أن المستوطنين قد سرقوا محصول العنب بالكامل، ولم يجد على الأشجار إلا بقايا قطوف غير جيدة، في حين أنه في السنوات السابقة كان ينتج ما يقارب ألفيْ كيلو غرام من العنب ويبيعها.

فضلا عن نصيب جيرانه وأصدقائه من الهدايا من محصول كل عام، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتمكن وعائلته من الوصول إلى الأرض لقطاف محصول الزيتون خلال أكتوبر/تشرين الأول القادم، حيث يمتلك سلامة 150 شجرة مثمرة لم يعد قادرا على الوصول إليها.

ويقول سلامة “في إحدى المرات كان 5 شبان من القرية بأرضهم في محاولة لحمايتها من المستوطنين، جاء مستوطن يرتدي زي الجيش العسكري وادعى أنه جندي، اعتقلهم وسلمهم للشرطة في مستوطنة موديعين، ليتضح لاحقا أنه لم يكن جنديا بل مستوطنا متنكرا، فقاموا بضربهم وأخبروهم بعدم العودة إلى الأرض”.

ويضيف أن جيش الاحتلال اقتحم القرية مؤخرا، برفقة “وحدة حماية الطبيعة”، واحتجز شابين من القرية يعملان في حديقة للحيوانات داخلها، ثم صادروا كافة الحيوانات وانسحبوا”.

ويعيش سلامة وعائلته قلقا يوميا من أن يتم منعهم بشكل كامل من الوصول إلى أرضهم، خصوصا أن المستوطنين الذين ينتشرون في أراضي القرية يتعمدون ترهيب كل فلسطيني يذهب إلى أرضه.

وقبيل لقائنا بسلامة كان قد أخبره أحد جيرانه بأن المستوطنين قد حاصروه في الأرض وبدؤوا يسألونه عن كوشان الأرض (أوراق الملكية) وقالوا له إن هذه الأرض لهم وعليه ألا يعود إليها.

3.فلسطين،رام الله، قرية الطيرة، 23 آب 2025، سلام أبوشرار. مستوطنة بيت حورون المقامة على أراضي القرية منذ عام 1977.الجزيرة نت._
الشارع الاستيطاني 443 الذي يُمنع سكان الطيرة من استخدامه منذ عام 2002 (الجزيرة)

بين الممنوع والمخاطر

إلى الجنوب الغربي من مدينة رام الله، تقع قرية الطيرة، أو كما يقول الناس للتمييز: طيرة بيت عور، حيث يتصل امتدادها الطبيعي بقرى شمال غرب القدس، كبيت دقو وبيت عنان وغيرهما.

وهو ما لعب دورا في تشكيل الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين القرية وهذه القرى في العقود الماضية، قبل أن يصبح الوصول -عبر الجبال- إلى تلك القرى محفوفا بالمخاطر التي تشكلها مجموعات المستوطنين المنتشرين على امتداد هذه الجبال، فضلا عن دوريات الجيش التي تشرف على عمليات توسع مستوطنة جفعات زئيف الواقعة شمال غرب القدس، والتي يمتد توسعها الآن على أراضي قرية الطيرة.

تطل القرية على الطريق الاستيطاني المعروف بشارع 443 والذي يربط القدس بتل أبيب، مرورا بمستوطنة موديعين، وقد كان هذا الشارع هو الرئيسي بالنسبة لسكان الطيرة وقرى جنوب غرب رام الله المجاورة لها، قبل أن يصدر الاحتلال قرارا بمنعهم من استخدامه منذ عام 2002 وحتى اليوم، وإجبارهم على استخدام طرق بديلة ملتفة بين القرى.

4.فلسطين، رام الله، قرية الطيرة، 23 آب 2025، سلام أبوشرار. الشارع الاستيطاني 443، الواصل بين القدس وتل أبيب، والذي يمنع سكان القرية من استخدامه منذ عام 2002_
مشهد لتوسعة مستوطنة جفعات زئيف على أراضي القرية التي تصلها بقرى شمال غرب القدس (الجزيرة)

كما صادر الاحتلال أراضي تتبع قرية الطيرة والقرى المحيطة لشق هذه الطرق البديلة ضمن المشروع الذي عرف باسم “نسيج الحياة”، ولم يحمل من الحياة أكثر من اسمه، إذ تم شق هذه الطرق بمعايير متدنية أدت إلى انهيار أجزاء من الشارع الواصل بين بيت عور والطيرة وبيتونيا بسبب غزارة الأمطار قبل عدة أعوام.

أما أسفل الشارع، فتوجد “عبّارات (ممرات) مياه” يضطر الطلبة والأساتذة  للعبور منها للوصول إلى مدرسة القرية التي تلتف حولها مستوطنة بيت حورون، حيث لا يسمح لهم بالمشي في الشارع أو استخدامه للوصول إلى المدرسة.

6. فلسطين، رام الله، قرية الطيرة، 23 آب 2025، سلام أبوشرار. كتابة جرافيتي على أحد الجدران في قرية الطيرة. الجزيرة نت_
منازل في قرية الطيرة التي يحاصرها الاستيطان ويرهّبها عنف المستوطنين (الجزيرة)

تشير بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2017 إلى أن عدد سكان الطيرة المقيمين فيها 1504 نسمات، ويُقدر تعداد المغتربين في الولايات المتحدة بنحو 3 آلاف نسمة، فيما تبلغ المساحة الإجمالية لأراضي القرية حوالي 3971 دونما (الدونم ألف متر مربع)، منها 353 دونما هي مسطح البناء.

وتقع عشرات الوحدات السكنية والمنشآت الزراعية في القرية ضمن مناطق مهددة بالهدم، وقد تسلم أصحابها إخطارات بالهدم في السنوات الماضية.

شاركها.