أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن رغبته في الاستيلاء على غرينلاند، موجة من التساؤلات داخل أوساط حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حول مدى قدرة أوروبا على تصنيع احتياجاتها العسكرية بنفسها، بما يسمح لها بخوض أي حرب محتملة من دون الاعتماد على الدعم الأميركي.

ويرى محللو الشؤون الدفاعية، رداً على هذا التساؤل، أن أوروبا تمتلك القدرة من حيث المبدأ، لكنها لم تصل بعد إلى هذه المرحلة في الوقت الراهن.

فقد شهد قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية، الذي عانى جموداً لفترة طويلة، نمواً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع إنتاج الطائرات المسيّرة والدبابات والذخائر وأنظمة التسليح المختلفة، بوتيرة تُعدّ الأسرع منذ عقود.

ويأتي هذا التطور في ظل سعي القارة إلى إعادة تسليح نفسها، لمواجهة هجوم روسي محتمل، إلى جانب تصاعد الخلافات السياسية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لايزال الطريق نحو الاستقلال العسكري الكامل طويلاً، حيث يقدّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كُلفة إعادة بناء الصناعة الدفاعية لأوروبا واستبدال المعدات والقوات العسكرية الأميركية الموجودة حالياً في القارة بنحو تريليون دولار، كما تعاني القارة العجوز فجوات واضحة في قدراتها التصنيعية، تشمل الطائرات المقاتلة الشبحية، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستخبارات المعتمدة على الأقمار الاصطناعية.

قاعدة صناعية

ورغم زيادة الإنتاج الدفاعي الأوروبي خلال الأعوام الأخيرة، فإن الصناعة العسكرية في القارة لاتزال تعاني التشتت، وتفتقر إلى الإمكانات التي تتمتع بها نظيرتها الأميركية، المدعومة بأكبر ميزانيات عسكرية في العالم. ومع ذلك، فإن الارتفاع الحاد في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، إلى جانب تجدد جهود البحث والتطوير، يقرب القارة تدريجياً من تحقيق قدر أكبر من الاستقلال العملياتي، وفي بعض الحالات يتم هذا التحول بوتيرة لافتة.

وفي هذا السياق، شهدت ميزانيات الدفاع في مختلف الدول الأوروبية زيادات كبيرة، رافقتها استثمارات جديدة في مجالات البحث والتطوير، ما يُعزّز التوجه نحو بناء قاعدة صناعية عسكرية أوروبية أكثر استقلالاً. ففي نهاية عام 2024، أسس الألماني كليمينس كورتين شركة «توينتي فور إندستريز» المتخصصة في تصنيع الطائرات المُسيّرة، والتي تتخذ من ميونيخ مقراً لها، وخلال أقل من عام، تمكّنت الشركة من بيع مئات الطائرات المُسيّرة إلى جيوش أوروبية مختلفة.

 

حاجة مُلحة

وتبرز حاجة متزايدة ومُلحة إلى بلورة رد أوروبي واضح على السياسات الأميركية المحتملة، ليس فقط فيما يتعلق بغرينلاند، بل أيضاً في إطار التحالف الأمني الأوسع الذي يجمع أوروبا والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا الصدد، قال المفوض الأوروبي المسؤول عن تنشيط الصناعات الدفاعية، أندريوس كوبيليوس، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن أي تقليص أميركي للوجود العسكري في أوروبا، يستدعي من الأوروبيين التخطيط الجاد لبناء ما يمكن وصفه بـ«الركيزة الأوروبية» داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويشمل هذا التوجه استبدال ما يُعرف بالعناصر الاستراتيجية الداعمة، مثل الأقمار الاصطناعية، التي تعتمد أوروبا حالياً بشكل كبير على الولايات المتحدة في توفيرها، وكان ترامب دعا في وقت سابق الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى إعادة تركيز اهتمامها الاستراتيجي على أميركا اللاتينية وآسيا، ما قد يؤدي إلى إعادة نشر أصولها العسكرية خارج أوروبا.

مخاوف

وفي الآونة الأخيرة، أثارت الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن أوكرانيا، ثم غرينلاند، مخاوف متزايدة من احتمال قيام الولايات المتحدة بوقف إمدادات الأسلحة، أو حتى منع الأوروبيين من استخدام الأنظمة العسكرية الأميركية التي يمتلكونها.

وفي هذا الإطار، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في دافوس، إن أسطول بلاده من الطائرات المقاتلة الأميركية الصنع لا يمكنه العمل من دون الدعم الأميركي المستمر، إذ تحتاج الطائرات النفاثة عادة إلى قطع غيار وتحديثات برمجية وتقنية من الشركات المصنعة، لضمان جاهزيتها التشغيلية، ما يفرض على دول مثل فنلندا الاعتماد على استمرار التعاون مع واشنطن، للحفاظ على قدراتها الجوية.

خطى ثابتة

ويرى مسؤولون تنفيذيون في قطاع الطيران والدفاع، أن التحول نحو صناعة دفاعية أوروبية مكتفية ذاتياً يسير بخطى ثابتة، ويؤكد كورتين أن سرعة انطلاق إنتاج شركته تعود إلى استعداد المستثمرين الأوروبيين لتمويل شركات الدفاع، وتوافر الكفاءات البشرية، إضافة إلى تسريع إجراءات المشتريات الحكومية.

ويرجع هذا التطور إلى أكبر زيادة في الإنفاق العسكري الأوروبي منذ الحرب الباردة، حيث أنفقت دول القارة نحو 560 مليار دولار على الدفاع خلال العام الماضي، وفق تقديرات محللي شركة «بيرنشتاين»، أي ما يعادل ضعف الإنفاق قبل 10 سنوات.

ومن المتوقع أن يصل إنفاق أوروبا على المعدات العسكرية بحلول عام 2035 إلى نحو 80% من إنفاق وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون»، مقارنة بأقل من 30% في عام 2019.

وقد تترتب على هذا التحول آثار مباشرة على قطاع الصناعات الدفاعية الأميركية، في حال اتجهت أوروبا بشكل أوسع إلى التصنيع المحلي، وتشير تقديرات مجموعة «أجنسي بارتنرز» البريطانية إلى أن أوروبا تُمثّل ما يصل إلى 10% من إيرادات شركات الدفاع الأميركية.

تصنيع محلي

وفي مؤشر إلى هذا التوجه، افتتحت شركة «راينميتال» الألمانية، 16 مصنعاً جديداً أو شرعت في إنشائها منذ الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، بينما رفعت شركة «ليوناردو» الإيطالية عدد موظفيها ليصل إلى 64 ألف موظف في غضون عامين فقط، كما ضاعفت شركة «إم بي دي إيه»، أكبر منتج للصواريخ في أوروبا، إنتاجها من صواريخ الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدبابات مرات عدة، مقارنة بما قبل الحرب.

وانتشرت شركات تصنيع الطائرات المُسيّرة في مختلف أنحاء أوروبا، وتبرز إستونيا نموذجاً رائداً في هذا المجال، حيث تجاوز الإنتاج الأوروبي في بعض الحالات نظيره الأميركي، كما يُتوقع أن تصل قدرة «راينميتال» قريباً إلى إنتاج 1.5 مليون قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم سنوياً، وهو رقم يفوق إجمالي الإنتاج الأميركي.

وتعتمد أوروبا إلى حد كبير على نفسها في تصنيع المركبات المدرعة، وتُعدّ دبابة «ليوبارد» الألمانية من الأكثر انتشاراً عالمياً، كما تصنع القارة معظم سفنها وغواصاتها التي تحقق مبيعات عالمية تفوق نظيراتها الأميركية، وتؤكد المؤشرات أن بعض الدول الأوروبية باتت تفضل شراء الأسلحة المحلية على الأميركية، كما هي الحال في الدنمارك، رغم نفي كوبنهاغن أن يكون هذا التحول سياسياً. ومع ذلك، لم تصل أوروبا بعد إلى لحظة قطيعة حاسمة مع الولايات المتحدة.

تشتت

وفي المقابل، يرى بعض المسؤولين الدفاعيين أن وتيرة الإنتاج الأوروبي لاتزال غير كافية، خصوصاً في مجالات الطيران والفضاء، فشركة «داسو» الفرنسية، على سبيل المثال، تواجه طلبات متراكمة لتصنيع مئات الطائرات المقاتلة، في حين لاتزال أوروبا بحاجة إلى ما لا يقل عن 10 سنوات لتطوير مقاتلة شبحية محلية.

وقال الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال منتدى دافوس، إن شراء بولندا للأسلحة من كوريا الجنوبية يُظهر أن أوروبا، إلى جانب الولايات المتحدة، لا تُسرّع وتيرة الإنتاج الدفاعي بالسرعة المطلوبة.

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة «ليوناردو»، روبرتو سينغولاني، حيث تصنع شركته مروحيات عسكرية، وأنظمة رادار ومكونات عسكرية أخرى، إن أحد عوائق إعادة التسلح الأوروبية السريعة، هو التشتت.

وأضاف في مقابلة نشرت أخيراً: «كل دولة تريد امتلاك دباباتها وطائراتها وسفنها الخاصة، وبالطبع فإن التشتت في الاستثمار والبحث والتطوير والمشتريات يشتت الجهود». عن «وول ستريت جورنال»


فجوة

تتخلف أوروبا عن الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات الفضائية والحوسبة السحابية العسكرية، وتعتمد على الشركات الأميركية في إدارة بيانات ساحات المعركة. وعلى الرغم من أن أوروبا كانت سبّاقة تاريخياً في تطوير بعض التقنيات الصاروخية، فإنها اليوم لا تنتج سوى كميات محدودة من الصواريخ الباليستية أو بعيدة المدى، ما يبرز استمرار الفجوة في بعض القدرات العسكرية الاستراتيجية.

. تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على تصنيع احتياجاتها العسكرية، بما يسمح لها خوض أي حرب محتملة من دون الاعتماد على الدعم الأميركي.

شاركها.
Exit mobile version