سراييفو- بينما تنشغل أوروبا بالحرب في أوكرانيا والسباق إلى التسلح وآليات التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وغيرها من التحديات الكبرى، تعيش البوسنة والهرسك في شبه جزيرة البلقان، أعقد أزمة سياسية منذ انتهاء الحرب الدامية عام 1995.

نصّ اتفاق “دايتون”، الذي وقّع في سنة 1995 وكان بمثابة إعلان انتهاء الحرب، على تقسيم البوسنة إلى فدراليتين: الأولى هي البوسنة وفيها أكثرية بوشناقية مسلمة وكرواتية كاثوليكية، والثانية هي جمهورية صرب البوسنة ذات الأغلبية الصربية الأرثوذكسية.

أما على مستوى الدولة، فليس ثمة رئيس واحد بل 3 رؤساء: بوشناقي وصربي وكرواتي، يتناوبون على كرسي الرئاسة، ويوجد فوقهم ممثل سامٍ يراقب تنفيذ اتفاق “دايتون” وله صلاحيات تصل إلى حد إقالة المسؤولين وفرض القوانين وتعديلها.

محكمة الدولة في سراييفو منعت ميلوراد دوديك من الترشح للانتخابات لـ6 سنوات (شترستوك)

جذور الأزمة

بدأت الأزمة الحالية حينما دانت محكمة الدولة في سراييفو زعيم صرب البوسنة، ميلوراد دوديك، في فبراير/شباط الماضي عقب إقرار قانونين في يوليو/تموز 2024 يحظران تطبيق قرارات الممثل السامي وأحكام المحكمة الدستورية البوسنية في الكيان الصربي. وحكمت عليه بالسجن سنة، مع منعه من الترشح للانتخابات لـ6 سنوات.

وقد ثُبّت الحكم أمام محكمة الاستئناف مطلع أغسطس/آب الحالي، وفي السادس من الشهر نفسه، أعلنت مفوضية الانتخابات عزل دوديك من منصبه لأن القانون ينص على عزل أي مسؤول منتخب تلقائيا إذا حُكم عليه بالسجن لأكثر من 6 أشهر.

تجنب دوديك تنفيذ عقوبته بالسجن من خلال دفع غرامة ناهزت قيمتها 19 ألف يورو، لكنه يرفض مغادرة منصبه، بل وردّ بالدعوة إلى استفتاء في جمهورية صرب البوسنة على قرار عزله وعلى قرارات المحكمة والممثل السامي في 25 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

في المقابل، دعت مفوضية الانتخابات يوم الخميس الماضي إلى انتخابات رئاسية مبكرة لاستبدال دوديك في 23 نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

يقول عميد كلية العلوم السياسية في جامعة سراييفو، سعد تورتشالو، إن جذور الأزمة تعود إلى الحرب التي تلت انهيار يوغوسلافيا، فالصرب لم يتخلوا عن حلمهم في “صربيا الكبرى” واقتطاع أجزاء من البوسنة، ووجدوا في اتفاقية “دايتون” أدوات لعرقلة أي تطور إيجابي في البلاد.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن محاولات دوديك تعديل الدستور باءت بالفشل في عام 2006، ليبدأ بعدها بالحديث عن تنظيم استفتاء لانفصال الكيان الصربي عن البوسنة، معتبرا أن مشكلة المجتمع الدولي تمثلت في التنازل له ومحاولة إرضائه خلال تلك السنوات في مقابل عدم التصعيد والمحافظة على الاستقرار في البوسنة، لتبلغ الأزمة ذروتها في الفترة الأخيرة مع قرار المحكمة.

موقف دوديك

ويسخر تورتشالو من محاولات الترويج للادعاءات بأن المحكمة لا تملك صلاحيات لإصدار تلك القرارات، خصوصا أن دوديك قبل فعلا بالحكم حين دفع مبلغا ماليا مقابل إعفائه من تنفيذ عقوبة السجن. ويضيف أن “خوفه الأساسي يكمن في خسارة نفوذه، ذلك بأنه بنى شبكات فساد واسعة، ويخشى في حال إبعاده عن السلطة من فتح تحقيقات في هذه القضايا”.

ولذلك “يسعى دوديك للترويج إلى أن الحكم الصادر بحقه يستهدف الكيان الصربي كله”، وهو ما ينفيه تورتشالو بشكل قاطع.

من جهته، يقول الصحفي والمحرر في موقع بوسني سياسي إخباري سعد نومانوفيتش، للجزيرة نت، إن المحكمة أصدرت حكمها بتأثير من المجتمع الدولي، وتحديدا من الولايات المتحدة، لافتا إلى أن دوديك يواجه قضايا أخرى تتعلق بالفساد.

ويقلّل نومانوفيتش من أهمية رفض دوديك لقرارات المحكمة ودعواته إلى استفتاء، ويؤكد “هذا أمر سخيف. لا يوجد نظام قانوني في العالم يعترف بالاستفتاء كأداة لقلب قرارات المحاكم”. أما بخصوص التلويح بالاستفتاء على الانفصال، فيوضح أن دستور جمهورية صرب البوسنة نفسه يحظر هكذا إجراء.

ويعتبر أن “الاستفتاء لعبة دوديك منذ بروزه سياسيا، وهذه هي المرة الـ51 التي يدعو فيها إلى ذلك، وفي المرات الـ50 السابقة، لم تكن لدعواته أي أثر فعلي على أرض الواقع”.

من ناحيته، يؤكد رئيس المحكمة الدستورية السابق والخبير في القانون الدستوري البوسني، قاسم ترنكا، للجزيرة نت أن الرئيس المعزول، ميلوراد دوديك، اتخذ سلسلة من الخطوات التي تُشكل اعتداء على النظام الدستوري للدولة. ويوضح أنه “انتزع من جانب واحد اختصاصات الدولة وأنشأ مؤسسات موازية لها. وقد أبطلت المحكمة الدستورية هذه الأعمال”.

Bosnian Serb President Milorad Dodik, walks to his car after the opening ceremony of the rectory building in Istocno Sarajevo, Bosnia, Thursday, April 24, 2025. (AP Photo/Armin Durgut)
مراقبون يرون أنه على مؤسسات الدولة الرد على تصرفات دوديك بالوسائل القانونية (أسوشيتد برس)

تفاؤل حذر

وبحسب ترنكا، تمكنت المحكمة من إصدار قرارها بحق دوديك بعدما أصدر الممثل السامي قانونا ينص على أن عدم الامتثال لقراراته يُعد جريمة جنائية.

ويضيف “دوديك رفض الامتثال للقرارات الصادرة، ويدعي أن الممثل الأعلى لم يُنتخب قانونيا وأنه يُشوّه صورته. إنه يتلاعب تماما بمؤسسات ووسائل الإعلام في الكيان الصربي، ويحاول، من بين أمور أخرى، الطعن في حكم المحكمة من خلال استفتاء المواطنين. هذه خطوة غير مسبوقة في الدول الديمقراطية”.

ويشدد ترنكا، الذي تولى وزارة العدل في السابق وكان سفير البوسنة لدى كرواتيا في التسعينيات، على أنه يتوجب على مؤسسات الدولة الرد على تصرفات دوديك غير القانونية بالوسائل القانونية المقررة في هذه الحالة، والشروع في إجراء لدى المحكمة الدستورية لتقرير أن أفعاله غير دستورية وبالتالي منع تنفيذها.

ويقر بأن المشكلة قد تتعقد في حال حاولت سلطات الدولة استخدام القوة لتنفيذ القرارات التي يحاول دوديك، “المسيطر على الشرطة في الكيان الصربي”، معارضتها. ويضيف “عندها سيكون هناك أيضا دور لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأوروبي (يوفور) المكلفة بضمان بيئة سلمية في البوسنة والهرسك”.

أما تورتشالو فيبدو أكثر تفاؤلا، إذ يقول إن نهاية دوديك السياسية ستمنح البوسنة والهرسك متنفسا لم تعهده من قبل، خصوصا وأنه لا يوجد أي زعيم قومي “متطرف يستطيع حشد الناس وعرقلة البلاد مثله”. ويوضح أن صربيا، الداعم الأساسي لدوديك، مشغولة بالمظاهرات الداخلية. وفيما يتعلق بروسيا، فالبوسنة ليست أولوية لها في الوقت الراهن.

ولا يخفي الصحفي نومانوفيتش تفاؤله الحذر، ويشدد على أنه لا يمكن التنبؤ بأي سيناريو بشكل حاسم خصوصا في عهد ترامب والتقلبات المتسارعة التي يشهدها العالم، لكنه يرى أن تجاوز الأزمة الحالية لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، بل عبر عملية سياسية طويلة الأمد، ركيزتها انضمام البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي.

ويوضح “ليس لدى الأوروبيين بديل حقيقي سوى قبول دول غرب البلقان أعضاء في الاتحاد. وإذا فشلوا في استيعابها، فإن غرب البلقان سيكون مشكلة كبيرة وسيكون الاتحاد الأوروبي في حالة اضطراب مروعة”.

شاركها.