يمكن قياس تأثير التخفيضات الكبيرة في المساعدات الخارجية التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال الخسائر البشرية. لقد مر نحو عام منذ تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي الوكالة الإنسانية الرئيسة في الولايات المتحدة. وهزت هذه الخطوة النظام الإنساني الدولي وسلاسل الإمداد بالمساعدات الحيوية لبعض المجتمعات الأكثر فقراً في العالم. وأغلقت مطابخ الطعام في السودان الذي دمرته الحرب، ولم تصل الأدوية الحيوية لإنقاذ حياة المرضى اليائسين في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وربما توفي مئات الأشخاص نتيجة لذلك. ومع قيام الولايات المتحدة بخفض نفقاتها الإنسانية، خفضت الدول المانحة الرئيسة الأخرى إسهاماتها أيضاً.

وأشارت دراسة نشرتها مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية، الأسبوع الماضي، إلى احتمال حدوث 9.4 ملايين حالة وفاة إضافية بحلول عام 2030، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وتقدم الدراسة، صورة مبكرة عن كيفية تأثير تخفيضات التمويل من الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، في تراجع المكاسب الصحية التي تحققت على مدى عقود، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة (الإيدز) والملاريا، والجوع، في جميع أنحاء العالم النامي.

ولا تبدو إدارة ترامب متأسفة على الإطلاق بشأن خطواتها، فقد صرحت وزارة الخارجية الأميركية في بيان، بأن بعض الدراسات الحديثة تستند إلى «تفكير عفا عليه الزمن»، وتصر على أن نظام التنمية العالمي «قديم وغير فعال، وهو سبب معاناة البشر». وهذا ببساطة غير صحيح.

نظام قديم

جاء في بيان وزارة الخارجية: «بدلاً من مساعدة البلدان على مساعدة نفسها، خلق النظام القديم ثقافة عالمية من التبعية، تفاقمت بسبب عدم الكفاءة والهدر الكبيرين، وقد دفع ذلك المانحين الإنمائيين في كل مكان، وليس فقط الولايات المتحدة، إلى إعادة النظر في نهجهم تجاه المساعدات الخارجية».

وكان تقويض الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، مقدمة لغيره من الاضطرابات التي أحدثها ترامب على الساحة العالمية، فقد شن البيت الأبيض حروباً تجارية على خصومه وحلفائه على حد سواء، وانسحب من عدد كبير من المؤسسات الدولية، وهدد في مناسبات عديدة، أسس التحالف عبر الأطلسي.

وقد صور ترامب وحلفاؤه أفعالهم على أنها تعامل ضروري مع نظام عالمي ما بعد الحرب، لم يعد يخدم المصالح الأميركية.

من جانبه، رفض ستيفن ميلر، وهو مسؤول بارز في البيت الأبيض يتميز بنزعة قومية متطرفة ويصفه بعضهم بـ«رئيس وزراء» ترامب، أن تكون الولايات المتحدة بحاجة إلى الانخراط في «المجاملات الدولية»، وأعلن العودة إلى عالم «تحكمه القوة، وتحكمه السلطة». وقد انتقل هذا التفكير إلى ما تبقى من الجهاز الإنساني للحكومة الأميركية.

ومنذ إلغاء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، كشفت الولايات المتحدة عن استراتيجية صحية عالمية جديدة تحت شعار «أميركا أولاً»، وأبرمت اتفاقيات صحية ثنائية مع بعض الدول النامية.

ويمكن أن يحظى هذا النوع من العمل بدفعة قوية إذا أقر الكونغرس مشروع قانون الإنفاق الذي يخصص 9.4 مليارات دولار للصحة الدولية في السنة المالية 2026. وهذا المبلغ يزيد على ضعف ما طلبته الإدارة، لكنه يمثل تراجعاً عن ميزانيتي 2024 و2025 البالغتين 12.4 مليار دولار.

لكن النقاد يرون في هذا التحول، مؤشراً على تراجع أوسع نطاقاً عن الموقف التقليدي للولايات المتحدة في العالم، وهو موقف القيادة والتعاون الذي رسخ عقوداً من الهيمنة والازدهار الأميركيين.

وهذا التراجع، الذي يشمل تدمير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، يترك فراغاً لا يمكن لأي دولة أخرى أن تملأه.

وأعرب راجيف شاه، رئيس مؤسسة «روكفلر» ومدير الوكالة لمدة خمس سنوات في عهد الرئيس باراك أوباما، عن أسفه، قائلاً «إنه تفكيك لهيكل استغرق بناؤه 80 عاماً»، مضيفاً أن «حجم التخفيضات يفوق بكثير حجم الأعمال الخيرية للتدخل وحل المشكلة».

وأبرزت التطورات التي حدثت في الأسابيع الأخيرة، الشعور بواقع جديد يشكل الشؤون العالمية. وفي غضون ذلك، قبلت بقية دول العالم «الانقطاع» في النظام السائد وتقوم بالتكيف وفقاً لذلك. وتحاول كندا وأقرب حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا تنويع مصالحها بعيداً عن الولايات المتحدة.

قوة مُتنمرة

وصف رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أميركا في عهد ترامب بأنها قوة عظمى «متنمرة» على غرار الأنظمة الاستبدادية مثل الصين.

وفي الوقت نفسه، تستعد الحكومات الأوروبية لتطبيق حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين، وهي خطوة أثارت غضب أباطرة التكنولوجيا في وادي السيليكون المقربين من البيت الأبيض، مثل إيلون ماسك، وكذلك كبار المسؤولين في إدارة ترامب. وأظهرت استطلاعات الرأي، تراجعاً حاداً في شعبية الولايات المتحدة في دول حول العالم.

وفي مجلة «فورين أفيرز»، يرى ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية الواقعية في «جامعة هارفارد»، أن الاستراتيجية الكبرى لولاية ترامب الثانية، يمكن وصفها بأنها «هيمنة مفترسة»، وهي نهج يهدف أساساً إلى «استغلال الموقع المتميز لواشنطن للحصول على تنازلات وتقدير وإظهار الاحترام من الحلفاء والخصوم على حد سواء، سعياً وراء مكاسب قصيرة الأجل».

ورغم أن هذا النهج قد يسمح لترامب بالتباهي بالعديد من الانتصارات الصغيرة على الساحة العالمية، يرى والت أنه يحجب ما كان يرسّخ قوة الولايات المتحدة، فقد كانت «القبضة الحديدية» لواشنطن دائماً مغطاة بـ«لطف وكياسة ظاهريين». لكن التخلي عن الالتزامات المبدئية، والضغط على الأصدقاء، وتقويض المؤسسات الدولية، لن يساعد الولايات المتحدة على المدى الطويل، خاصة في وقت ينصب فيه التركيز الجيوسياسي بشكل مباشر على صعود ما يسمى «القوى المتوسطة» التي تجد موطئ قدم لها على الساحة العالمية. عن «واشنطن بوست»


هيمنة عدوانية

خلُص أستاذ العلاقات الدولية الواقعية في «جامعة هارفارد»، ستيفن والت، إلى أن هيمنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العدوانية «لا تتناسب مع عالم توجد فيه قوى عظمى عدة متنافسة، لاسيما في عالم يكون فيه الصين (نداً) اقتصادياً وعسكرياً، لأن التعددية القطبية تتيح للدول الأخرى سبلاً لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة». وتابع: «إذا استمرت الهيمنة العدوانية في تحديد الاستراتيجية الأميركية في السنوات القادمة، فإنها ستضعف الولايات المتحدة وحلفاءها على حد سواء، وستولد استياء عالمياً متزايداً، وستخلق فرصاً مغرية لمنافسي واشنطن الرئيسين، وستجعل الأميركيين أقل أماناً، وأقل ازدهاراً، وأقل نفوذاً».

. دراسة لمجلة «لانسيت» أشارت إلى احتمال حدوث 9.4 ملايين حالة وفاة إضافية بحلول 2030، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

. تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، هز النظام الإنساني الدولي وسلاسل الإمداد بالمساعدات الحيوية لبعض المجتمعات الأكثر فقراً في العالم.

. النقاد يرون في التحول الأميركي مؤشراً على تراجع أوسع نطاقاً عن الموقف التقليدي للولايات المتحدة عالمياً، وهو موقف القيادة والتعاون الذي رسخ عقوداً من الهيمنة والازدهار الأميركيين.

شاركها.