في عام 2025، ومع تبنّي الولايات المتحدة سياسة التعرفات الجمركية الهادفة إلى تقليص عجزها التجاري مع عدد من شركائها في قارة آسيا، انصب اهتمام وسائل الإعلام على احتمال تحول مسارات التجارة العالمية بعيداً عن القارة الآسيوية. غير أن هذا التركيز يغفل جانباً أكثر خطورة، يتمثل في تأثير مخاوف المستثمرين على استقرار الأنظمة المالية الآسيوية، وهي مخاوف قد تتسبب في هزات تمتد آثارها السلبية إلى مختلف الأسواق الإقليمية.
وإذا ما أُخذ في الحسبان الارتفاع غير المسبوق في مستويات الدين العالمي، إلى جانب الفقاعة غير المستدامة في أسواق الأسهم التي يغذيها التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيتعرض لانهيار، بل حول توقيت حدوث هذا الانهيار ربما.
وتبدو الاقتصادات الآسيوية الناشئة أكثر عرضة للتداعيات مقارنة بغيرها، حيث يفتقر العديد منها إلى قاعدة استهلاك محلية قوية، ويعتمد بشكل كبير على اندماجها في سلاسل القيمة العالمية، وعلى الصادرات بوصفها المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة.
كما أن آسيا استقطبت على مدى العقود الماضية تدفقات ضخمة من الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يجعل اقتصاداتها عرضة لتقلبات حادة في حال انسحاب رؤوس الأموال نتيجة صدمات خارجية. ويزيد من حدة هذه المخاطر الانفتاح الواسع للأسواق الآسيوية، واعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، وخضوعها لتقلبات النظام المالي العالمي.
أزمة مالية
ويُعد مثال الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997 من أكثر النماذج وضوحاً لتلك الصدمات، حيث شهدت المنطقة خروجاً سريعاً لرؤوس الأموال، وانخفاضاً حاداً في قيم العملات، الأمر الذي أدى إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي وتفاقم الأزمات في عدد من دول القارة.
وفي مواجهة تلك الأزمة، اضطر العديد من الدول الآسيوية إلى طلب الدعم من صندوق النقد الدولي، الذي ربط مساعداته بشروط صارمة، تمثلت في سياسات تقشف مالي وتشديد نقدي، أسهمت في إثارة غضب شعبي واسع في بعض الدول.
ويعتقد كثيرون أن هذه السياسات لم تؤد إلى احتواء الأزمة بقدر ما عمقتها، من خلال كبح النمو الاقتصادي، وإدخال المنطقة في حالة ركود استمرت نحو عام.
فكرة إنشاء الصندوق
وفي خضم البحث عن بدائل، كانت اليابان أول من اقترح فكرة إنشاء صندوق نقد آسيوي، بهدف توفير شبكة أمان مالي إقليمية قادرة على تقديم قروض طارئة، وتسهيل اتفاقيات مقايضة العملات، وتجميع الاحتياطيات الإقليمية لمعالجة أزمات ميزان المدفوعات. إلا أن هذه الفكرة قوبلت بمعارضة شديدة من الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، بحجة أنها ستقوض دور الصندوق العالمي في المنطقة.
غير أن الدوافع الحقيقية لتلك المعارضة كانت ذات أبعاد جيوسياسية، حيث تخوفت واشنطن من قيام مؤسسة مالية إقليمية لا تخضع لنفوذها، لاسيما أنها اعتادت استخدام صندوق النقد الدولي أداة لتمرير سياساتها والضغط على الدول التي لا تنسجم مع مصالحها.
مبادرات محدودة
ورغم استمرار خيبة الأمل الآسيوية من النظام المالي العالمي الذي تقوده الدول الغربية، فإن المبادرات الإقليمية البديلة بقيت محدودة النطاق، بفعل التنافسات الداخلية، وغياب قوة إقليمية موحدة، إضافة إلى التخوف من الإضرار بالعلاقات مع الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي.
كما أن تنوع آسيا من حيث الأحجام الاقتصادية، والأنظمة السياسية، والمواقف من اقتصاد السوق، وحساسية مسألة السيادة الوطنية، جعل الدول تتردد في الالتزام باتفاقيات إقليمية ملزمة.
ونتيجة لذلك، اتجه معظم البنوك المركزية الآسيوية إلى ما يُعرف بـ«التأمين الذاتي» عبر تراكم الاحتياطيات الأجنبية، بهدف توفير سيولة الدولار، وحماية العملات الوطنية من المضاربات.
إلا أن العوامل التي أعاقت التعاون الإقليمي في السابق قد تتحول اليوم إلى مصدر قوة، فالنمو المتسارع في آسيا، وتزايد النفوذ الصيني على الساحة الدولية، أسهما في إعادة ترجيح ميزان القوى العالمية لمصلحة الشرق، ما يجعل هذا التوقيت مناسباً لإحياء فكرة صندوق النقد الآسيوي، وتحويلها إلى واقع ملموس.
شبكة أمان
ورغم الاعتراضات الغربية، يمكن لصندوق نقد آسيوي أن يشكل شبكة أمان إقليمية فعالة، قادرة على تنسيق السياسات الاقتصادية الكلية خلال الأزمات، وتقديم قروض طارئة للدول المتعثرة، إضافة إلى الإشراف على التعاون الإقليمي، وتعزيز التفاهم المتبادل بين الدول الأعضاء.
والأهم من ذلك، أن يكون هذا الصندوق مؤسسة أنشأتها آسيا لخدمة مصالح شعوبها، بعيداً عن السياسات التي اتسم بها صندوق النقد الدولي، والتي كثيراً ما فُرضت على دول المنطقة بشروط قاسية، شملت التقشف، ورفع الدعم الحكومي. وقد دعت ماليزيا مراراً إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي الآسيوي، وهو توجه حظي بدعم واضح من الصين.
انتقادات ومخاوف
ويرى بعض المنتقدين أن إنشاء صندوق نقد آسيوي ليس ضرورياً في ظل وجود آليات إقليمية قائمة، مثل مبادرة «شيانغ ماي» متعددة الأطراف، التي توفر ترتيبات لمقايضة العملات بين دول رابطة «آسيان» ودول أخرى. غير أن هذه الآلية تعاني قيوداً كبيرة، إذ تتطلب موافقة كل بنك مركزي على استخدام الأموال، إضافة إلى شرط الارتباط بصندوق النقد الدولي للحصول على تمويل يتجاوز 40% من حد الائتمان.
وقد دفعت هذه القيود بعض الدول إلى الاعتماد على بدائل أخرى لتأمين سيولة الدولار، مثل اتفاقيات المقايضة الثنائية مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال أزمات كجائحة «كورونا»، وهو ما يكشف أن شبكات الأمان الإقليمية الحالية لاتزال غير كافية.
كما يذهب آخرون إلى أن إنشاء صندوق نقد آسيوي، قد يؤدي إلى مزيد من تشرذم النظام المالي العالمي، ويضعف دور صندوق النقد الدولي بوصفه الملاذ الأخير للإقراض. ورغم جدية هذه المخاوف جزئياً، فإن وجود مؤسسة إقليمية قوية من شأنه أن يعزز القدرة العالمية على مواجهة الأزمات، ويدفع صنّاع القرار في آسيا إلى ابتكار حلول أكثر فاعلية لدعم الاستقرار المالي.
تكامل
إضافة إلى ذلك، تحتاج آسيا إلى منصة مؤسسية تعبر بدقة عن مصالحها، في ظل إخفاق المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها الدول الغربية في تحقيق هذا الهدف. ويظهر التعاون القائم بين بنوك التنمية الإقليمية (مثل بنك التنمية الآسيوي وبنك التنمية الإفريقي) مع البنك الدولي أن تداخل الأدوار لا يعني بالضرورة الصراع، بل قد يفضي إلى تكامل يخدم الاستقرار العالمي.
ولا شك أن الطريق نحو إنشاء صندوق نقد آسيوي محفوف بالتحديات، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في عالم متعدد الأقطاب. إلا أن الوحدة الإقليمية لم تعد خياراً مثالياً، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على الاستقرار الذاتي.
تشانغ تو*
*كاتبة ومحللة سياسية
عن «أيجا تايمز»
سباق مع الزمن
مع تحول التقلبات الاقتصادية إلى سمة دائمة للنظام العالمي، تبدو الحكومات الآسيوية أمام سباق مع الزمن لتجاوز خلافاتها، وإنشاء صندوق نقد خاص بها بعيداً عن صندوق النقد والبنك الدوليين، قبل اندلاع أزمة محتملة، فالفكرة موجودة، وما ينقص آسيا اليوم هو الإرادة السياسية لتنفيذها.
. النمو المتسارع في آسيا، وتزايد النفوذ الصيني، أسهما في إعادة ترجيح ميزان القوى العالمية لمصلحة الشرق، ما يجعل هذا التوقيت مناسباً لإحياء فكرة الصندوق.
