على مدى السنوات الخمس الماضية، نجح جنوب أوروبا، الذي كان عانى في السابق، في ترتيب شؤونه المالية العامة. فقد خفّضت إيطاليا واليونان وإسبانيا عجز ميزانياتها إلى مستويات تتوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي.
والاستثناء الوحيد هو فرنسا، التي عانت على مدى ثلاث سنوات عجزاً تجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وساد الاعتقاد بأن تراجع فرنسا اقتصادياً أمام الدول التي ساعدت في إنقاذها خلال أزمة منطقة اليورو سيجعل السياسيين يركزون على هذا الأمر.
لكن فرنسا فشلت حتى في تمرير ميزانية لعام 2026، وهي تواجه الآن أحدث سلسلة من المعارك البرلمانية لاعتماد ميزانية بحلول نهاية الشهر الجاري.
المأزق المالي هو أحد أعراض مرض أعمق، إنها حالة خطرة من العجز السياسي الجماعي المتفاقم، حيث يدخل الرئيس إيمانويل ماكرون الأشهر الـ15 الأخيرة من رئاسته، في وقت لايزال بإمكانه التصرف على الصعيد الدولي، لكنه عاجز في الداخل، حيث لا يحظى بتأييد سوى أقل من 20% من الفرنسيين.
ويحتل ائتلاف ماكرون الوسطي 161 مقعداً من أصل 577 مقعداً في الجمعية الوطنية المنقسمة (البرلمان)، ما يجعل من المستحيل عملياً إنجاز أي شيء.
مشهد كئيب
ويعمل اليمين المتطرف واليسار الشعبوي على إبقاء ماكرون مشلولاً. إنه مشهد كئيب في وقت حرج، والجميع يتحملون جزءاً من المسؤولية.
بدأ انزلاق فرنسا إلى حالة من عدم القدرة على الحكم في عام 2023، عندما أثارت المعارضة والنقابات الغضب بشأن إصلاح نظام التقاعد المعقول الذي طرحه ماكرون، والذي رفع الحد الأدنى لسن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً.
وبتحريض من حزب «فرنسا الأبية» اليساري الشعبوي، وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، نزل المتظاهرون إلى الشوارع للاحتجاج على الواقع الديموغرافي.
وبعد فوز حزب التجمع الوطني في انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2024، دعا ماكرون إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، وتركته تلك الانتخابات بأقلية وسطية أصغر. ولم يستمر رئيس الوزراء الجديد، ميشيل بارنييه، سوى ثلاثة أشهر، قبل أن يتحالف حزب التجمع الوطني وحزب فرنسا الأبية لطرده.
اقتراح شجاع
وكان خليفة بارنييه، فرانسوا بايرو، اقترح بشجاعة في يوليو الماضي ميزانية من شأنها خفض العجز إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن البرلمان رفضها وأسقط حكومته في سبتمبر.
وتمكن رئيس الوزراء التالي، سيباستيان لوكونو، من تمرير جزء من الميزانية بالاستسلام لمطلب الاشتراكيين بتجميد إصلاح نظام التقاعد.
ولتمرير الباقي، قَبِل بقائمة طويلة من الضرائب الجديدة أو المرتفعة التي فرضها الاشتراكيون وحزب الخضر الصغير، غير أن ذلك لم يكن كافياً، وفي ديسمبر، مددت الحكومة ميزانية 2025 إلى 2026.
تخبط في المجهول
يجب أن يشعر كل الفاعلين الرئيسين في السياسة الفرنسية بالخجل، ويبدو أن الأطراف المتطرفة سعيدة بترك فرنسا تتخبط في المجهول.
ويقف زعيم حركة النضال من أجل المساواة، جان لوك ميلانشون، بثبات على الحواجز، بينما يأمل زعيما حزب التجمع الوطني، مارين لوبان وجوردان بارديلا، في أن يفشل ماكرون حتى يتمكنا من تحقيق النصر في الانتخابات الرئاسية عام 2027.
ولا يملك الاشتراكيون والخضر أي رؤية لحل أزمة الميزانية الفرنسية بخلاف رفع الضرائب. وسمح الجمهوريون، الذين يُفترض أنهم محافظون مالياً، بتعليق إصلاح نظام التقاعد الذي سيكلف 100 مليون يورو في عام 2026 وحده.
ربما لم يكن بإمكان أحد إدارة هذا الفريق المتنازع، لكن نهج ماكرون غير المتوازن والبعيد لم يساعد في ذلك.
أخيراً، لا ينبغي إعفاء الناخبين من اللوم، إذ فشلوا في تقدير سياسات ماكرون الاقتصادية الناجحة، ورفضوا قبول حاجة نظام الرعاية الاجتماعية إلى الإصلاح، واستمروا في التصويت لأقل السياسيين شعوراً مسؤولية. عن «الإيكونوميست»
. انزلاق فرنسا السياسي بدأ في 2023 عندما أثارت المعارضة والنقابات الغضب بشأن إصلاح نظام التقاعد الذي طرحه ماكرون.
. فرانسوا بايرو اقترح ميزانية من شأنها خفض العجز إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن البرلمان رفضها وأسقط حكومته.
