عندما يتم فحص كل ما يقولونه وتشويه كل تصريحاتهم من قبل خصومهم السياسيين، يتعلّم السياسيون الأوروبيون ضرورة التزام الصمت والحذر في اتصالاتهم والحفاظ على الدبلوماسية قدر الإمكان.

وتحت ضغط استثنائي، في السر أو على سبيل المزاح، تنكشف الأمور أكثر من انكشافها في الخطب المصوغة بعناية أحياناً.

فقد لخصت الدبلوماسية الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ما كان يفكر فيه كثيرون عندما قالت مازحة في جلسة خاصة إن حالة العالم تجعله «وقتاً مناسباً» للهروب من الواقع.

وربما لم تكن كالاس تقصد أن يكون ذلك تقييماً جاداً، لكنه قدّم رؤية ثاقبة، حيث تعتقد ممثلة أوروبا على الساحة العالمية، أن الأمور تبدو سيئة للغاية.

حقائق سياسية

بعض التعليقات الجانبية تختزل حقائق سياسية تصمد أمام اختبار الزمن. وأصبح تصريح السياسي الأوروبي البارز، جان كلود يونكر، بأن القادة الأوروبيين «يعرفون جميعاً ما يجب فعله، لكنهم لا يعرفون كيف يُعاد انتخابهم»، دليلاً للطيف السياسي الأوروبي.

وطالما كانت عبارة «لعنة يونكر» اختصاراً للتحديات الانتخابية التي تواجهها الحكومات الإصلاحية.

وغالباً ما يحاول المستشارون والمسؤولون عن الاتصالات، إدارة كل ما يقوله السياسيون.

بشر

وقال المستشار السياسي السابق في مجلس العموم البريطاني والمؤسس المشارك لشركة «ميلتون أدفايزرز»، لويس رينسارد، «بالنهاية القادة بشر، وأحياناً يقولون ما يفكرون فيه، سواء على سبيل المزاح أو بسبب ضغوط العمل». وأضاف: «الرد الفطري هو (يا إلهي، ماذا حدث للتو) – لكن في تسع من أصل 10 حالات يكون القادة السياسيون بشراً – أفضل من أي خطاب علاقات عامة صيغ بعناية، أما في الحالة العاشرة، فلا يسعك سوى أن تأمل ألا يكون أحد قد سمع ما قيل».

بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في عالم من الأسرار، فإن ما يضحكون عليه يمكن أن يكشف عن مواقفهم تجاه أشياء لا يمكنهم مناقشتها علناً.

تسريب الأفكار

وقالت المحاضرة في جامعة سالفورد ومؤلفة كتاب «سيكولوجيا السياسيين»، أشلي واينبرغ: «هناك حدود لما يمكن للسياسيين تحمله، ومن ثم يحدث هذا النوع من التسريب للأفكار، والأشياء التي لم يتم التفكير فيها بشكل كامل».

وتشتهر العائلة المالكة البريطانية بتحفظها في اتصالاتها، ومع ذلك، كان الملك تشارلز صريحاً بشكل غير معهود عندما رحب برئيسة وزرائه الأولى، ليز تروس، في لقاء أسبوعي في قصر باكنغهام عام 2022، في الوقت الذي أدت فيه ميزانيتها المقترحة إلى إثارة اضطراب في الأسواق.

وقال تشارلز مبتسماً: «عدتِ مرة أخرى؟ عزيزتي، يا إلهي». واستقالت تراس بعد 12 يوماً.

توصيل رسائل

ووفقاً لعلماء النفس السياسي، يمكن أن تكون هذه النوعية من النكات طريقة لتوصيل الرسائل بطريقة لطيفة، كأنك تقول: «أنا لا أعني ذلك حقاً – إلا إذا كنت توافقني الرأي».

وأفاد دبلوماسيون شاركوا في مفاوضات دولية عالية المخاطر لصحيفة «بوليتيكو»، بأنهم غالباً ما يكونون أكثر مرحاً مما يدركه الناس، متخذين المرح علاجاً للقلق الذي يصاحب العمل السياسي.

وقال الدبلوماسي البريطاني السابق، كريس فيتزجيرالد، الذي عمل في بروكسل خلال مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: «سيفاجأ الناس من عدد المرات التي يتم فيها إلقاء النكات في المواقف الدبلوماسية المتوترة، حيث ينال الجميع قليلاً من الراحة ويدركون أنهم يتعاملون مع بشر».

وأضاف: «أفضل النكات هي غالباً تلك التي لا تكون مكتوبة، وتكون أفضل إذا أظهرت أنك تفهم ثقافة محاورك». عن «بوليتيكو»

. يمكن أن تكون النكات طريقة لتوصيل الرسائل بصورة لطيفة، في حين تختزل بعض التعليقات الجانبية حقائق سياسية.


نكات ملائمة

رئيس الوزراء البلجيكي. أرشيفية

قال رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي فيفر، الذي غالباً ما يُشاد به باعتباره الزعيم الأكثر طرافة في أوروبا، بعد قمة المجلس الأوروبي، إنه يحب النكات الملائمة التي تستخدم «الفكاهة السوداء» لتوضيح وجهة نظره.

من جهته، قال وزير الخارجية الليتواني السابق غابرييليوس لاندسبيرغيس، الذي اكتسب شهرة بفضل نكاته السياسية اللاذعة، إن المواقف السياسية العبثية تستدعي الضحك، مضيفاً: «عندما ترى ما يحدث في العالم، فإن مجرد التعامل مع الأمر بجدية لا يبدو كافياً، بل تشعر أن أفضل طريقة للتعامل معه هي إظهار سخافته».

شاركها.