أدخل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أزمة توصف بأنها من أخطر الأزمات وأصعب الاختبارات في تاريخه، وذلك من خلال تهديده بفرض رسوم جمركية جديدة على حلفاء الولايات المتحدة، الذين يعارضون سعيه إلى الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، متجاهلاً إرادة سكانها ومبدأ حق تقرير المصير، وهذا التصعيد يضع التحالف العسكري الأقوى في العالم أمام مفترق طرق حاسم.

ويعتمد مدى تعرّض حالة السلام النسبي في العالم للاهتزاز، نتيجة احتمال تفكك هذا التحالف، على قدرة الجمهوريين في الكونغرس الأميركي على إظهار قدر من الحزم في مواجهة رئيسهم، فغياب هذا الموقف قد يفتح الباب أمام سابقة خطرة تمس جوهر النظام الدولي القائم على التحالفات.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في موقف القادة الأوروبيين الذين واجهوا التصعيد الأخير بوحدة لافتة، حيث يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانوا سيذهبون إلى حد التلويح بعواقب قاسية ضد ترامب والولايات المتحدة، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي يعدّ كتلة تجارية عملاقة قادرة على التأثير، غير أن أي رد تجاري انتقامي قد يوجه ضربة قوية إلى أسواق الأسهم الأميركية، التي يحرص ترامب على تقديمها كدليل على قوة الاقتصاد والرفاه.

ومع ذلك، فإن مثل هذه الإجراءات، سواء كانت تجارية أو عسكرية، قد تنعكس سلباً على حلفاء واشنطن بقدر ما تؤثر في الولايات المتحدة نفسها، وربما أكثر.

وفي هذا السياق، عقد سفراء الاتحاد الأوروبي اجتماعاً استشارياً طارئاً في بروكسل، الأحد الماضي، عبر الهاتف، حيث دعا عدد من قادة دول «الناتو»، المعروفين بعلاقاتهم الودية مع ترامب، إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن غرينلاند، التابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي.

قلق واضح

وتسود حالة من القلق الواضح على جانبي المحيط الأطلسي من احتمال انهيار حلف «الناتو»، فهذا السيناريو الذي كان يعدّ حتى وقت قريب ضرباً من المستحيل، قد يشكّل انتصاراً استراتيجياً كبيراً لروسيا والصين، وربما يكون النتيجة الأخطر لسياسات زعزعة الاستقرار التي اتسمت بها فترتا رئاسة ترامب.

كما يساور الكونغرس الأميركي قلق متزايد حيال تصرفات الرئيس، غير أن التساؤل الجوهري يبقى: هل يوجد عدد كافٍ من الجمهوريين المستعدين للدفاع عن «الناتو»، باعتباره أحد أعمدة القوة الأميركية العالمية، إلى درجة المخاطرة بمواجهة نادرة مع رئيس ينتمي إلى حزبهم؟ وعلى الرغم من بروز تصدعات في قاعدة نفوذ ترامب داخل الكونغرس، فإنه لايزال يفرض هيبته ويثير مخاوف العديد من المشرعين الجمهوريين.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن مصير هذا التحالف المهدد، يرتبط برئيس يتعامل مع القوة العسكرية الأميركية وكأنها ملك شخصي له، بلا قيود قانونية أو دستورية، وينظر إلى حلف «الناتو» بازدراء بوصفه أداة للابتزاز السياسي، وبالنسبة لترامب، فإن ضم غرينلاند لا يعد مجرد خطوة سياسية عابرة، بل إنجاز تاريخ يفوق في رمزيته إعادة تسمية مركز كينيدي أو تشييد قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض، إذ قد يضعه في مصاف رؤساء أميركيين مثل توماس جيفرسون وويليام ماكينلي، الذين ارتبطت أسماؤهم بتوسيع رقعة الولايات المتحدة.

«فن التفاوض»

أحدث ترامب صدمة واسعة في أوروبا وأميركا الشمالية عندما صعّد أخيراً مطالبه بشأن غرينلاند، مستنداً إلى ما يصفه بفلسفة «فن التفاوض» في سياسته الخارجية، وأعلن عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع السلع القادمة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا بدءاً من الأول من فبراير المقبل، على أن ترتفع هذه النسبة إلى 25% في الأول من يونيو، إلى حين التوصل إلى اتفاق.

ومع امتناعه عن استبعاد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، فإن ترامب يخاطر بتقويض أسس حلف «الناتو»، لاسيما المادة الخامسة التي تنص على مبدأ الدفاع المشترك. ويأتي هذا السلوك بدافع هوس شخصي، في وقت لا يُبدي الناخب الأميركي اهتماماً حقيقياً بامتلاك الجزيرة أو تحمل تكاليفها، حيث ينصب قلقه الأساسي على ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة بعد عام من الولاية الثانية لترامب.

وفي هذا الإطار، صرّح نائب الرئيس الأميركي السابق، مايك بنس، لشبكة «سي إن إن» بأن للولايات المتحدة بالفعل مصالح استراتيجية في غرينلاند، غير أن الأساليب التي ينوي ترامب اتباعها لتحقيق هذه الأهداف قد تأتي بنتائج عكسية تضر بالمصالح الأميركية ذاتها.

تدخل الكونغرس

يسعى كل من السيناتور الجمهوري، راند بول، عن ولاية كنتاكي، والسيناتور الديمقراطي تيم كين عن ولاية فرجينيا، إلى وضع قيود أمام هذه السياسات، فقد أعلنا خلال ظهورهما المشترك في برنامج «ميت ذا برس» على قناة «إن بي سي»، أنهما يناقشان مشروع قرار جديد يتعلق بصلاحيات حزبيهما في ملف غرينلاند، كما يعتزمان الطعن في الرسوم الجمركية الجديدة، وتأكيد وجود قانون يمنع الرئيس من الانسحاب من حلف «الناتو» دون موافقة الكونغرس.

وقال بول إن ترامب «يؤجج التوترات» من خلال رفضه استبعاد الخيار العسكري، مضيفاً أنه لم يسمع عن أي دعم جمهوري فعلي لهذا التوجه، حتى بين أكثر الأعضاء تشدداً في الكتلة الجمهورية، الذين أكد كثير منهم أنهم لن يؤيدوا مثل هذا المسار.

خلافات

لم يكن «الناتو» بمنأى عن الخلافات خلال تاريخه الممتد 77 عاماً، ففي أزمة قناة السويس، عام 1956، عارضت الولايات المتحدة الغزو البريطاني – الفرنسي لأجزاء من مصر، وفي تسعينات القرن الماضي عبّرت دول أوروبية عدة عن استيائها من تردد واشنطن في البداية بالمشاركة ضمن إطار «الناتو» لوقف الحرب في يوغسلافيا السابقة.

ومع مطلع القرن الـ21، وبعد مراجعة دور الحلف في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، جرى تفعيل المادة الخامسة للمرة الأولى دفاعاً عن الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر، وقاد الحلف لاحقاً الحملة العسكرية في أفغانستان، غير أن الخلافات العميقة عادت لتطفو على السطح مجدداً بسبب حرب العراق.

القِيَم الأوروبية

وعقب إعلان ترامب رغبته في امتلاك غرينلاند، شدد القادة الأوروبيون لهجتهم تجاهه، بعد عام من محاولات استرضائه، فالقضية بالنسبة لهم لا تتعلق فقط بأراضٍ قد يضمها رئيس أميركي، بل تمس جوهر القيم الأوروبية التي تشكلت عبر قرون من الصراعات، وعلى رأسها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض خضوعها لقوى ذات نفوذ مطلق.

وفي هذا السياق، كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة «إكس»، أن بلاده تدعم استقلال وسيادة جميع الدول، مؤكداً أن الترهيب والتهديد لن يؤثرا في هذا الموقف، سواء تعلق الأمر بأوكرانيا أو غرينلاند أو أي مكان آخر في العالم.

كما أجرى كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، اتصالين هاتفيين مع ترامب، حيث أعلنت ميلوني، ذات التوجه الشعبوي المحافظ، أنها لا توافق على الرسوم الجمركية المرتبطة بقضية غرينلاند.

غير أن تهدئة ترامب، بحسب المراقبين، تتطلب أكثر من مجرد تصريحات دبلوماسية، ويظل التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان الجمهوريون في الكونغرس أو حلفاء «الناتو» قادرين على إقناعه بأن ضم غرينلاند سيترتب عليه ثمن سياسي وشخصي باهظ. عن «سي إن إن»


تحديات إضافية

أظهرت مؤشرات عدة أن تهديدات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد تُعرقل التصديق على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهي اتفاقية منحت واشنطن شروطاً ميسرة، نتيجة إدراك أوروبا أنها لا تستطيع المجازفة بفقدان المظلة الدفاعية الأميركية، كما أن انهيار هذه الاتفاقية أو فرض تعرفات جمركية انتقامية قد ينعكس سلباً على ترامب نفسه، عبر رفع أسعار الواردات خلال عام انتخابات التجديد النصفي، في وقت تتراجع ثقة الناخبين بأدائه الاقتصادي.

وفي حال تفكك حلف «الناتو»، قد تواجه الولايات المتحدة تحديات إضافية، من بينها احتمال إغلاق قواعد عسكرية في بريطانيا أو ألمانيا أو دول أخرى، تعتمد عليها واشنطن لبسط نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا، فضلاً عن تحمّل الجيش الأميركي المرهق عبء الدفاع عن منطقة القطب الشمالي بمفرده.

وفي المحصلة، فإن هذا الخلل العميق في توازن العلاقات داخل التحالف الغربي يشكل عنصراً أساسياً في الأزمة الراهنة، تماماً كما هي الحال مع ترامب.

. سيناريو انهيار «الناتو»، الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب ضرباً من المستحيل، قد يُشكّل انتصاراً استراتيجياً كبيراً لروسيا والصين.

شاركها.
Exit mobile version