تعد المضاربة العقارية من أبرز أسباب أزمة السكن في إسبانيا، حيث تسهم بشكل كبير في ارتفاع أسعار المساكن التي لا تلبي احتياجات السكان، ما يزيد من العزلة الاجتماعية.
وفي مواجهة هذه الأزمة ظهرت مشاريع السكن الجماعي كحل مبتكر ومؤثر، وهو نموذج سكني يعزز مفهوم التعاون ويهدف إلى تسهيل الوصول إلى المساكن بأسعار معقولة.
ويعد السكن التعاوني أحد الأشكال المبتكرة التي بدأت بالظهور في إسبانيا، وهو نموذج يعود أصله إلى الدنمارك في ستينات القرن الماضي.
ويعمل هذا النموذج كتعاضدية، حيث تقوم الجمعيات التعاونية بإدارة المشروع، وتوفر للمقيمين مساكن خاصة مع مساحات مشتركة للرعاية والخدمات.
ومن أهم مميزات هذا النموذج أنه يحظر بيع أو تأجير المنازل بشكل فردي، ما يمنع المضاربة العقارية ويضمن استقرار السكن.
وتكمن الفكرة الأساسية في أن هذه المشاريع تعتمد على نموذج الإسكان الذي يقصد منه أن مالكيها لا يمكنهم التجارة بها، وإنما يكون المالك الدائم لهذه المنازل هو الجمعية التعاونية التي تنقل استخدامها إلى الأعضاء.
وإذا غادر أحد مالكي تلك المنازل أو توفي، تتم إعادة الرسوم الأولى، التي دفعها المتوفَّى، إلى ورثته، فيما يدفع من يحلّ محل العضو المتوفَّى الرسوم نفسها، أي أنه لا يتم تطبيق أي عمليات لإعادة تقييم العقار.
أنواع المساكن
وتشمل تلك المشاريع أنواعاً متعددة من السكن، بعضها ميسور الكلفة، والبعض الآخر يتطلب مبالغ كبيرة تصل بين 5000 و40 ألف دولار، كمساهمة أولية تشكل 20% من رأس المال، مع إمكانية تمويل بقية المبلغ عبر التعاونيات السكنية.
وتعد الرسوم الشهرية لهذه المشاريع أقل من أسعار السوق التقليدية، حيث تراوح بين 300 و700 دولار شهرياً، ما يجعلها بديلاً جذاباً للعديد من الأسر.
وقال السكرتير الفني لمجموعة الإسكان التعاوني، روبين مينديز، إن هذه المشاريع ليست مجرد حلول سكنية، بل أيضاً «نموذج مرجعي للمستقبل» يعزز الوصول إلى جميع فئات الدخل، مشيراً إلى أنه في بعض الحالات يتم تطبيق نموذج مشابه للإيجار التقليدي، حيث يدفع الأعضاء مبلغاً شهرياً مقابل السكن المشترك.
وأوضح: «ليس هناك أي تقسيم أفقي، بمعنى أن السكن التعاوني لا يمكن تقسيمه وفصل شقق معينة عن المسكن التعاوني الرئيس، حيث يتم القضاء على إمكانية التجارة بالشقة، وتظل بعيدة عن المضاربة والتغييرات السياسية».
وأضاف مينديز أنه في كل الأحوال تظل معدلات أسعار السكن التعاوني أقل من أسعار السوق، مبيناً أنها أقل بنسبة 15 إلى 20%.
وتابع: «أرى أن هذا النموذج في السكن يعد بديلاً لأزمة الإسكان في إسبانيا، من خلال تحسين الوصول إلى السكن عبر جميع فئات الدخل»، متوقعاً أن يكون النموذج المعياري لسكن المستقبل.
المشاريع الكبرى
ومع ذلك تتطلب بعض المشاريع الكبرى مشاركة أكبر في رأس المال، حيث يصل المبلغ الأوّلي إلى ما بين 100 ألف و300 ألف دولار، مع مدفوعات شهرية تراوح بين 900 و1500 دولار، حسب الموقع وحجم المشروع.
وقالت ممثلة التعاونيات في منطقة هيسباكوب، ماريا ديل كارمن كوبانو: «هذا شائع جداً في بعض المشاريع الكبرى، وهو حالياً أشبه بشراء منزل تقليدي لأن رأس المال يتراكم في المنزل، وبالتالي فإن المبلغ الذي يتم إرجاعه عندما يغادر العضو في الجمعية التعاونية أعلى بكثير، لكنه في البداية يكون أكثر صعوبة في الوصول إليه».
وأضافت: «هذه المشاريع تعد خياراً مناسباً لأولئك الذين يرغبون في استثمار رأس المال على المدى الطويل».
قفزة
ولايزال السكن التعاوني منخفض الانتشار في إسبانياـ، كما أن مجموعة الإسكان التعاوني تسعى إلى الحصول على دعم حكومي أكبر، لترسيخ نفسها وفكرتها الرامية إلى تسهيل الإسكان على السكان.
لكن عدد «المنازل التعاونية» قفز من 100 منزل مأهول بالسكان في عام 2020 إلى أكثر من 2000 بحلول عام 2025، وفي ظل الزخم الحالي لتنفيذ المشاريع يمكن أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2028، حسب تقديرات مجموعة الإسكان التعاونية.
وفي عام 2018، افتُتح مشروع «لا بوردا» كمجتمع سكني منظم ذاتياً يضم 28 منزلاً تعاونياً.
سكن كبار السن
وظهرت أخيراً مشاريع سكنية مخصصة لكبار السن، حيث توفر هذه المجتمعات السكنية بيئة ملائمة للشيخوخة النشطة والصحية، ويعد مشروع مجمع «إنتريكنتوس» في مدريد مثالاً على هذا النوع من السكن، حيث يضم 35 شقة مخصصة لمن تراوح أعمارهم بين 50 و70 عاماً، ويغطي المبلغ الشهري المدفوع لمسن جميع الخدمات الضرورية مثل الطعام والتنظيف.
وقال منسق لجنة الإعلان والقبول في المجمع، خوان دون ديوس لوبيز: «أكملنا بناء قطعة أرض مملوكة لنا مساحتها 3000 متر مربع، وننتظر التراخيص المطلوبة من البلدية لبدء السكن في المجمع».
ويوجد في إسبانيا حالياً 12 مشروعاً سكنياً مخصصة لكبار السن قيد التنفيذ، بالإضافة إلى 20 مشروعاً أخرى في مراحل التطوير.
وهذه المشاريع لا تقتصر على توفير مكان للسكن فحسب، بل تهدف أيضاً إلى القضاء على الشعور بالعزلة وتعزيز التكافل الاجتماعي، بما يسهم في تحسين حياة كبار السن ويعزز من اندماجهم في المجتمع.
ويتم تقديم السكن الجماعي كوسيلة لحل المشكلات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لاسيما في المشاريع التي تستهدف كبار السن، حيث تم تصميم المنازل كأماكن يمكنهم العيش فيها باستقلالية.
عن «إيل باييس»
المشروع الأول
ساكنو منزل تعاوني في شمال إسبانيا يحتفلون بحصولهم على سكن. من المصدر
بدأ العمل في مشروع «إكسونتاسي» – وهو أول مشروع سكني تعاوني في منطقة أستورياس في شمال غرب اسبانيا – عام 2014، من خلال تعاون خمس نساء تراوح أعمارهن ما بين 39 و64 عاماً.
وقالت رئيسة المشروع، ماري آسون رودريغز، إن «المشروع عابر للأجيال، ويستهدف جميع الأعمار، بدءاً من الولادة حتى سن 70 عاماً».
وأضاف: «بحلول الصيف المقبل، سنعيش هناك (في المشروع)»، لكنها شكت نقص المساعدات الحكومية.
وكانت رئيسة المشروع واحدة من النسوة الخمس، التي بدأت تأسيس المشروع عندما تقاعدت في سن 64 عاماً، وعمرها الآن 74 عاماً.
ويشمل المشروع 30 منزلاً، و1000 متر مربع من المناطق المشتركة (غرفة طعام مجتمعية، غرفة غسيل، وأشياء مماثلة) قيد الإنجاز.
حظر بيع أو تأجير المنازل التعاونية بشكل فردي، ما يمنع المضاربة العقارية ويضمن استقرار السكن.
بعض المشاريع ميسور الكلفة، فيما البعض الآخر يتطلب مبالغ كبيرة قد تصل إلى 40 ألف دولار.
دعم
تسعى مجموعة الإسكان التعاوني في إسبانيا إلى الحصول على دعم حكومي أكبر، لتحقيق مزيد من التوسع في مشاريع السكن الجماعي، باعتبارها حلاً اجتماعياً واقتصادياً لمواجهة التحديات التي يفرضها النمو السكاني والتغيرات الاجتماعية.
السياحة تضاعف الطلب على السكن
أصحاب العقارات يجدون في السياح فرصة لكسب بعض المال. من المصدر
أصبح استئجار المنازل من أكثر القضايا تعقيداً في إسبانيا، فقد ظلت أسعار الإيجارات في ارتفاع مستمر لسنوات، وفي مواجهة هذا الواقع، لم يكن هناك نقص في النصائح التي توصي المستأجرين بالتطلع إلى ما هو أبعد من مراكز المدن بحثاً عن مساكن بأسعار معقولة.
لكن هذا الحل ليس ممكناً دائماً، حيث وصل تأثير ارتفاع أسعار استئجار المساكن، منذ فترة طويلة، إلى أطراف المدن.
وفي بعض الأماكن يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث تتجاوز أربع مناطق عتبة القيمة الإيجارية الموصى بها، حتى خارج مناطقها الحضرية، وفقاً لأحدث تقرير سنوي صادر عن بنك إسبانيا. ووفقاً لأحد الخبراء في هذا المجال، فإن هناك ثلاثة أنواع من المناطق، تشمل مراكز المناطق الحضرية، والأطراف، والمناطق خارج المناطق الحضرية.
وفي الأندلس، وجزر البليار، وجزر الكناري، وكانتابريا، يتجاوز متوسط سعر الإيجار 30% من صافي دخل الأسر في كل مكان.
ويدرك أحد السكان، إيريكو غارسيا (30 عاماً)، هذه الحقيقة جيداً، حيث انتقل مع زوجته البالغة من العمر 30 عاماً أيضاً، إلى قرية صغيرة، هي هيريرا دو ليبيو، في الشمال الشرقي لمنقطة كانتبريا.
ولدى الزوجين طفلان، وهما الآن يستأجران منزلاً بحديقة مقابل 500 يورو (540 دولاراً) شهرياً.
وقال غارسيا: «الطفرة الصيفية تجعل المجمعات السكنية تبدو فارغة في الشتاء».
وأدى تزايد النشاط السياحي في شمال إسبانيا إلى مضاعفة الطلب على أماكن الإقامة الصيفية، إذ يجد أصحاب العقارات في المسافرين فرصة لكسب بعض المال من عقاراتهم.
ويتعين على سكان قرية كوميلاس، الذين يرغبون في الانتقال من منزل العائلة، أن يتعاملوا مع أسعار الإيجارات المرتفعة، أو يستسلموا للبحث في مكان آخر.