الشهر الماضي تعرض ثلاثة طلاب فلسطينيين في بيرلينغتون، فيرمونت بأميركا، لإطلاق نار خلال عودتهم إلى منازلهم بعد عيد الشكر، وزعم الثلاثي: هشام عورتاني وكنان عبدالحميد وتحسين أحمد، أن مطلق النار، واسمه جيسون جيه إيتون، اقترب منهم وبدأ في إطلاق النار عليهم من مسدسه. لم يكن إيتون يعرف الطلاب ولكن كل ما استطاع رؤيته هو أن اثنين منهم كانا يرتديان الكوفية الفلسطينية، التي ارتبطت بالنضال الفلسطيني لأكثر من نصف قرن.

وأدى مناخ تزايد الإسلاموفوبيا في أعقاب الحرب بين إسرائيل و«حماس» في قطاع غزة إلى عدد من جرائم الكراهية ضد المسلمين في الأسابيع الأخيرة، وغالباً ضد أشخاص يرتدون الكوفية، والتي يراها الفلسطينيون مشغولة بخيوط الكفاح ومطرزة برموز قضيتهم وتشبثهم بأرضهم. وألقت الشرطة القبض على امرأة في بروكلين في أعقاب حادثة ألقت فيها القهوة على رجل يرتدي الوشاح التقليدي باللونين الأبيض والأسود، وقام حارس أمن بسحب الوشاح من رقبة أحد الحضور في إضاءة شجرة عيد الميلاد في مركز روكفلر بمدينة نيويورك.

أصبح الوشاح مرتبطاً بشكل كبير بالنضال الفلسطيني لتقرير المصير، وتبناه كثيرون في العالم العربي وفي مختلف أنحاء العالم، وارتدته شخصيات شهيرة من الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا والزعيم الكوبي فيدل كاسترو وانتهاءً بالمغنية الشهيرة مادونا.

علم غير رسمي

غالباً ما يُشار إلى الكوفية باسم العلم غير الرسمي لفلسطين، لاسيما خلال الفترة التي حظر فيها الاحتلال الإسرائيلي استخدام العلم الرسمي لفلسطين بين عامي 1967 و1993. كانت الكوفية في البداية قطعة قماش بيضاء عادية يستخدمها المزارعون والبدو كغطاء للرأس لقرون عدة لتحميهم من الشمس والبرد والغبار والرمل، ولكن كان الفلسطينيون في الحضر يضعون في كثير من الأحيان الطربوش الأحمر التركي.

أصبحت الكوفية رمزاً للمقاومة الفلسطينية في الثلاثينات، عندما توحد الفلسطينيون ضد الحكم الاستعماري البريطاني. وعندما بدأ المقاتلون من أجل الحرية، والمعروفون بالفدائيين، بشن هجمات ضد القوات البريطانية في مدنهم، كان من السهل التعرف إليهم بسبب الكوفية. وتقول المؤرخة الثقافية في جامعة فريجي أمستردام، جين تينان: «اجتمع الفلاحون والبرجوازية معاً لمقاومة الاحتلال، وتعزز الشعور بالأمة عندما اعتمدت كلتا المجموعتين الكوفية، ما أدى إلى استخدامها كرمز للهوية».

يقول عالم الإثنوغرافيا جوزيف مسعد، مؤلف كتاب «التأثيرات الاستعمارية»، إن استخدام الكوفية ذات المربعات باللونين الأبيض والأسود على وجه التحديد كرمز للهوية الفلسطينية يعود إلى منتصف القرن الـ20 عندما اعتمد الضابط البريطاني كلوب باشا الكوفية كجزء من الزي الرسمي لقواته الصحراوية.

كانت الكوفية الحمراء والبيضاء مصنوعة من القطن السميك، ومن المثير للدهشة أنها كانت تُصنع في ذلك الوقت في مصانع القطن البريطانية. واكتسبت أغطية الرأس التي تستخدمها قوات الشرطة البريطانية في فلسطين، وقوات الدفاع السودانية، والقوات العربية الليبية، رواجاً، وبمرور الوقت أصبحت ذات شعبية كبيرة لدرجة أن الفلسطينيين كانوا يعتمرونها أيضاً. وتوضح تينان أن «عمليات نقل السكان وتهجيرهم بعد المصادرة الجماعية لأراضيهم أدت الى تراجع النشاط الزراعي، ما دفع الفلسطينيين إلى البحث عن رموز تعارض الواقع المادي للاستعمار الاستيطاني». وتضيف: «لقد عززت الكوفية الارتباط بالأرض الفلسطينية، وكان لهذا صدى لدى مختلف المجموعات التي تسعى إلى العدالة الاجتماعية من مناهضي الرأسمالية إلى نشطاء المناخ في جميع أنحاء العالم».

أصبحت هذه الرمزية أكثر وضوحاً في الستينات مع ازدهار حركة المقاومة الفلسطينية، وتبنت الشخصيات الثورية الكوفية، بمن فيهم رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، حيث اكتسب عرفات شهرة على المستوى الدولي لمشاركته في تأسيس حركة فتح لتحرير فلسطين.

رمز لمناهضة الإمبريالية

في البداية اعتمر بعض الغربيين الكوفية لإظهار التضامن مع حركة المقاومة الفلسطينية، ومعظمهم من النشطاء المناهضين للحرب في أواخر الستينات، لكن سرعان ما أصبحت الكوفية رمزاً لمناهضة الإمبريالية، وارتدتها شخصيات ثورية مثل فيدل كاسترو ونيلسون مانديلا. وأعلن مانديلا في عام 1997، بعد انتهاء الفصل العنصري في جنوب إفريقيا: «نحن نعلم جيداً أن حريتنا غير مكتملة من دون حرية الفلسطينيين».

شعبية حول العالم

مع اكتساب الكوفية شعبية في الغرب خلال أواخر السبعينات والثمانينات، تحولت من رمز للتضامن الفلسطيني إلى دلالة عامة على الليبرالية والمشاعر المناهضة للسلطة، واستخدمت من قبل فنانين مثل مادونا، التي تم تصويرها وهي ترتدي الكوفية حول رقبتها في جلسة تصوير عام 1982. وبحلول أواخر الثمانينات تحولت إلى إكسسوار أنيق.

واستمرت الكوفية كإكسسوار خلال التسعينات، وارتداها مصمم الأزياء راف سيمونز للترويج لمجموعة «رايوت رايوت». وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الـ21 أصبح هذا الوشاح منتشراً في كل مكان، ويرتديه الجميع من الممثلة والمغنية وعارضة الأزياء كيرستن دونست إلى لاعب الكرة الشهير ديفيد بيكهام، وأصبح منفصلاً تماماً عن جذوره الثورية.

وبينما كانت الكوفية تتمتع بشهرتها باعتبارها إكسسواراً ساخناً في الغرب، اندلعت الانتفاضة الثانية، وهي انتفاضة كبرى قام بها الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي بدءاً من عام 2000، وأدت إلى مقتل أكثر من 3000 فلسطيني و1000 إسرائيلي. وتقول تينان: «لقد عادت الكوفية كرمز للتضامن مع فلسطين، ويعيد الكثيرون الآن اكتشاف تاريخ الكوفية ومعناها».

وربما من المفارقة أنه كلما أصبحت الكوفية أكثر شعبية في الغرب، قلّ مردودها على الاقتصاد الفلسطيني. ولم يبق اليوم سوى مصنع نسيج فلسطيني أصيل واحد لصناعة الكوفية.

عن «الغارديان» البريطانية


من بين أفضل 10 إكسسوارات لعام 2007

مجموعة «ترافيلر» لخريف 2007 من ابتكارات المصمم نيكولا غيسكيير، استخدمت الكوفية كقطعة رائجة. وأطلق غيسكيير عارضة الأزياء البرازيلية الشهيرة، فلافيا دي أوليفيرا، في ممشى العارضات مرتدية وشاحاً من تصميمه، ما أدى إلى اعتبار مجلة «دبليو» هذا المنتج من أفضل 10 إكسسوارات لخريف 2007. وبعد بضعة أشهر، أطلقت مصممة الأزياء إيزابيل مارانت أيضاً تصميماتها بالكوفية والكاكي الأخضر العسكري كجزء من مجموعتها لربيع 2008.


آخر مصنع   

من المثير للجدل أن بعض المصممين الإسرائيليين يصرون أيضاً على أن لهم الحق في إنتاج الكوفية الفلسطينية، مثل العلامة التجارية «دودو بار أو» التي يقع مقرها في تل أبيب. وتقول العلامة التجارية: «نخشى الدخول في السياسة، لكننا نشأنا مع قماش الكوفية. ظللنا نراها كل يوم»، مضيفة أن «إسرائيل هي مجموعة من الثقافات». وتدافع عن قرارها باستخدام القماش الفلسطيني قائلة: «لدينا جميع الثقافات هنا».

المنتج الوحيد المتبقي للكوفية، ومقره في الخليل بالضفة الغربية، يواجه تحديات لوجستية عديدة عندما يتعلق الأمر بمواصلة هذه الحرفة. ومن دون سيطرة الفلسطينيين على حدودهم فإن القدرة على استيراد المواد الخام وتصدير الكوفية تعتمد بشكل كبير على نقاط التفتيش الإسرائيلية والضوابط الحدودية التي غالباً ما تؤدي إلى التأخير وزيادة التكاليف.

ويوضح الرئيس التنفيذي لشركة الحرباوي، آخر مصنع للكوفية المتبقية في فلسطين، نائل القسيس، أن ارتداء الكوفية في المناخ الحالي يتجاوز مجرد الرمزية الثقافية. ويقول: «نحن نؤمن بأن استخدام الكوفية الأصلية المصنوعة في فلسطين هو أفضل شكل من أشكال التضامن الدولي معنا. هذا الوضع على الرغم من أنه يمثل تحدياً من حيث تلبية الطلب فإنه يعد شهادة قوية على أهمية الكوفية والدعم الشعبي الدولي لفلسطين». ويختتم بقوله: «نأمل مع تزايد الطلب على الكوفيات الأصلية المصنوعة في فلسطين أن يؤدي إلى افتتاح المزيد من المصانع في فلسطين، وهذا لن يؤدي إلى إحياء صناعة الكوفية في وطنها فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى تعزيز الأساس الاقتصادي لمجتمعنا، والحفاظ على هذا الجزء المهم من تراثنا حياً ومزدهراً».  


. أصبحت الكوفية رمزاً للمقاومة الفلسطينية السياسية في الثلاثينات، عندما توحد الفلسطينيون من جميع الخلفيات ضد الحكم الاستعماري البريطاني. وعندما بدأ المقاتلون من أجل الحرية والمعروفون بالفدائيين بشن هجمات ضد القوات البريطانية في مدنهم كان من السهل التعرف إليهم بسبب الكوفية.

. مع اكتساب الكوفية شعبية في الغرب خلال أواخر السبعينات والثمانينات، تحولت من رمز للتضامن الفلسطيني إلى دلالة عامة على الليبرالية والمشاعر المناهضة للسلطة، واستخدمت من قبل فنانين مثل مادونا، التي تم تصويرها وهي ترتدي الكوفية حول رقبتها في جلسة تصوير عام 1982.

شاركها.
Exit mobile version