في ظهيرة يوم شتوي عاصف، يقف زوجان شابان يرتديان قميصين وقبعتين رياضيتين أمام قائمة شقق سكنية معلقة على أبواب زجاجية لوكالة عقارات، بالقرب من محطة تاكينوتسوكا للقطارات، في الطرف الشمالي من منطقة أداشي، في العاصمة اليابانية طوكيو، قرب الحدود مع محافظة سايتاما.
وتقول المرأة، وهي مصففة شعر في منتصف العشرينات من عمرها: «نفكر في الانتقال إلى هذه المنطقة لأننا سمعنا أنها أقل كلفة إلى حد ما، لكننا سمعنا أيضاً أن سمعتها سيئة بعض الشيء، وقد تكون غير آمنة في الليل، لذلك نتجول في المنطقة لنلقي نظرة عليها»، مضيفة: «حتى الآن، تبدو مثل أي حي آخر حقاً».
وبالنسبة للغرباء، لطالما اشتهرت منطقة أداشي، لاسيما أحياءها التجارية والترفيهية مثل تاكينوتسوكا، بكونها واحدة من أكثر أحياء طوكيو خطورة، حيث تُشكّل الحانات الرخيصة وصالات الباتشينكو والمجمعات السكنية العامة المتآكلة، جواً مريباً.
وفي الواقع، انخفضت معدلات الجريمة في المنطقة بشكل مطرد على مدى عقود قبل أن ترتفع قليلاً بعد جائحة «كورونا»، وتُظهر بيانات الشرطة أن بلاغات السرقة والاعتداء والجرائم الأخرى في أداشي انخفضت بشكل حاد، منذ أن بلغت ذروتها في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، ومع ذلك فإن تصور الخطر كان أبطأ في التلاشي.
وبعد تجديدها أخيراً، أصبحت محطة تاكينوتسوكا، واجهة لمجمع تجاري جديد، مع وجود محال راقية تضيف لمسة من الأناقة الحضرية، لكن على بعد مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من المحطة، تظهر مبانٍ متهالكة مليئة بمقاهٍ ومطاعم آسيوية، وقال مدير قسم التصميم والتخطيط في أداشي، سيجي أوكوشي: «في عام 2021، أجرينا استطلاعاً ووجدنا أن شعور الناس بالأمان في تاكينوتسوكا منخفض بشكل خاص»، حيث صنف نحو 68% من المشاركين في الاستطلاع، مستوى الأمان المحلي بأنه سيئ، وهذا اتجاه أكثر وضوحاً بين البالغين في العشرينات والأربعينات من العمر، وأولئك الذين يعيشون في المنطقة لفترة قصيرة نسبياً.
وأضاف أوكوشي: «مقارنة بالماضي، انخفض عدد الجرائم، ويميل السكان القدامى إلى الشعور بأمان أكبر، لكن بالنسبة للوافدين الجدد، لايزال الشعور بعدم الأمان مرتفعاً».
واتسعت الفجوة بين الإحصاءات والمشاعر، أو ما تُسميه الشرطة اليابانية «الشعور العام بالأمان»، على الصعيد الوطني.
وتُظهر الاستطلاعات أنه على الرغم من أن معدل الجريمة لايزال منخفضاً تاريخياً، فإن المزيد من الناس يقولون إنهم يشعرون بعدم الأمان في أحيائهم، وهي ظاهرة يُغذيها جزئياً الانخفاض السكاني وتفكك الروابط المجتمعية، فضلاً عن التدفق المستمر للمنشورات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي والتغطية الإعلامية السائدة التي تضخم بعض الجرائم، ما يخلق شعوراً بالخطر يفوق الواقع.
وفي تاكينوتسوكا، أدى الجمع بين الشوارع القديمة والحياة الليلية النشطة ووجود أعداد كبيرة من الأجانب إلى استمرار هذه الصورة، على الرغم من أن العمال والمقيمين يصفون المنطقة بأنها متماسكة وهادئة إلى حد كبير.
وعلى مدى عقدين من الزمن، بدا أن معدلات الجريمة في اليابان في انخفاض مستمر، وبلغت الجرائم المسجلة في قانون العقوبات، التي تشمل كل شيء من السرقة إلى الجرائم العنيفة، ذروتها في عام 2002، بنحو 2.85 مليون حالة، ثم بدأت في انخفاض طويل مدفوع بتعزيز الشرطة، واللوائح الجديدة، ومشاركة السكان على نطاق واسع في منع الجريمة، وبحلول عام 2021 انخفض العدد الإجمالي على مستوى البلاد إلى نحو 560 ألف حالة، مسجلاً أدنى مستوى له للمرة السابعة على التوالي منذ الحرب العالمية الثانية.
وقد تغير هذا المسار قليلاً في الآونة الأخيرة، فقد ارتفعت أرقام الجرائم لمدة ثلاث سنوات متتالية، وفي عام 2024 ارتفع العدد بنسبة 4.9% عن العام السابق عليه إلى نحو 737 ألف حالة، وهو لايزال يمثّل جزءاً بسيطاً من المستويات التي شوهدت في أوائل العقد الأول من القرن الـ21. عن «جابان تايمز»
«متلازمة العالم القاسي»
مع عودة السكان إلى الشوارع بعد جائحة «كورونا» واستئناف أنشطتهم اليومية، زادت فرص ارتكاب الجرائم، وقد زادت شيخوخة السكان في اليابان تعقيد الصورة، حيث أصبح كبار السن الآن أكثر ظهوراً كجناة، لاسيما في حالات السرقة من المتاجر، وكضحايا، خصوصاً في حالات الاحتيال والجرائم الإلكترونية، وفي سبعينات القرن الماضي، صاغ عالم الاتصالات جورج جيربنر، مصطلح «متلازمة العالم القاسي»، لوصف كيف أن التعرّض المكثف لوسائل الإعلام العنيفة أو السلبية، يمكن أن يدفع الناس إلى تصور العالم على أنه أكثر خطورة، حتى عندما تكون معدلات الجريمة مستقرة أو آخذة في الانخفاض.
