عندما أقنع الاتحاد الأوروبي نفسه بأن القوانين يمكن أن تكون بديلاً عن القوة، والقِيَم عن القدرات، انتقل النفوذ إلى مكان آخر، وباتت نقاط ضعف أوروبا قابلة للاستغلال، ولم تتردد واشنطن وبكين في استخدامها.
وانغمس القادة الأوروبيون في الحديث عن المبادئ، والتفوق الأخلاقي، والوضع المثالي الذي يهدده التنافس الشديد، والسلطة المعيارية، والتجارة الأخلاقية، وتأثير بروكسل، والتعددية المستنيرة، متجاهلين العمل الشاق لبناء القدرات الصناعية، والبنية التحتية المتينة، والعمق التكنولوجي، والقدرة العسكرية.
وتم تسليط الضوء على قطاعات الطاقة، والدفاع، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والبيانات، والمدخلات الصناعية، والمنصات الرقمية، وأسواق رأس المال، ورفضت أوروبا تحمل الكلفة طالما كانت تمتلك النفوذ، واختارت التأجيل، إلى أن جعل الرئيسين: الأميركي دونالد ترامب، والصيني شي جينبينغ، الكلفة باهظة.
وبناء عليه، كان الخلل ذا طبيعة سياسية، فقد شيدت أوروبا هيكلاً لا نهاية له من المجالس والوكالات والاستراتيجيات والتقارير وخطط العمل، ثم استخدمت هذا الهيكل لتأجيل القرارات بدلاً من فرضها.
وازدادت حدة المشكلة وضوحاً عندما استبدلت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وفريقها الالتزام بالبيانات والمسؤولية بالأداء غير اللائق، والقدرة بفرص الظهور الإعلامي في القمم. والنتيجة هي تكتل يعتمد هيكلياً على قوتين عظميين، الولايات المتحدة والصين، غنية بالإجراءات، لكنها ضعيفة النتائج.
وتعامل ترامب مع هذا الواقع بحماس، حيث يخاطب القادة الأوروبيين بفوقية، ويسخر منهم علناً وبشكل متكرر، واستهزأ باعتمادهم على الحماية الأميركية.
وبالفعل شهد تاريخ الأطلسي مشهدين من أكثر المشاهد المهينة، حين أجلس ترامب القادة الأوروبيين في البيت الأبيض وألقى عليهم محاضرات وهم أشبه بتلاميذ «سيئين»، وجاء المشهد الثاني حين خاطب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، الرئيس الأميركي بـ«أبي»، مختزلاً بذلك كرامة الدول الأعضاء الـ32 في مجرد إيماءة خضوع.
ومن ثم ظهر المسؤول نفسه أمام البرلمان الأوروبي ساخراً من أي تلميح إلى إمكانية دفاع أوروبا عن نفسها دون الولايات المتحدة، قائلاً: «استمروا في أحلامكم»، وكشفت هذه الأحداث زيف التظاهر.
وحتى السيادة باتت مصطنعة، كما أظهرت حادثة غرينلاند، عندما احتفلت الطبقة السياسية الأوروبية وأتباعها بنصر مفترض لأن ترامب خفف من مطالبه بشأن الجزيرة الدنماركية، رغم وجود تفاهم سري مع «تلميذه»، روته، لم يتم الكشف عنه إلا بعد أسابيع، ولم يعد بالإمكان إنكار الخلل.
ولم يكن ذلك يتعلق بالمصداقية، ولا الوحدة، وبالتأكيد فإن إرسال بضعة عشرات من الجنود من سبع دول من أجل تدريبات روتينية، لن يغير حسابات واشنطن، فادعاء الردع دون قوة هو وهم خطِر.
وتمارس بكين الضغوط، دون صخب، وبمزيد من الصبر، وهي تتعامل مع أوروبا كزبون غير مستعد لإنشاء بدائل، وبناء عليه، محكوم عليه بتأجيل الاستقلال الذاتي إلى أجل غير مسمى، ويتم استبدال الاجتماعات والتنازلات الانتقائية والإيماءات الرمزية بضبط النفس والصمت، في حين تتعمق التبعية الهيكلية.
ويجسد سيل الزيارات الأوروبية إلى بكين، حقيقة الوضع، ويجري النظر إلى التقارب مع القيادة الصينية على أنه إنجاز بحد ذاته، وتعد هذه الزيارات بالاستقرار، والحد من التقلبات، وإتاحة خيارات متعددة في عصر تتسم فيه العلاقات الأميركية بعدم القدرة على التنبؤ، لتصبح في نهاية المطاف مجرد صفقات تجارية.
ويعود رؤساء الحكومات الأوروبية محتفلين بمكاسب هامشية لا تغير شيئاً، معلنين عن خوفهم من الاستبعاد.
وتكشف الحالة البريطانية، بزيارة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بكين بعد انقطاع دام ثماني سنوات عن اللقاءات الرسمية بين قادة البلدين، عن هذا الالتباس، فالمنتقدون الذين يضفون طابعاً أخلاقياً على انعدام المشاركات الدبلوماسية، يغفلون جوهر المسألة، وكذلك المدافعون الذين يروجون لها باعتبارها واقعية مستنيرة.
وفي الحقيقة ليست المشاركات الدبلوماسية هي المشكلة، بل غياب الهدف منها، إذ إن وزن الصين في مجالات الابتكار والتصنيع والبحث والتكنولوجيا يجعل الانسحاب مكلفاً في مجالات حيوية، من الذكاء الاصطناعي إلى علوم الحياة والعمل المناخي.
ولأن التناقضات الكامنة لا تزال قائمة، تريد أوروبا ضمانات أمنية أميركية وبنية تحتية استخباراتية، في حين تستاء من «البلطجة» الأميركية، وتريد الأسواق الصينية والمدخلات الصناعية، في حين تستاء من النفوذ الصيني، وتريد التحدث بلغة السيادة، في حين تتخلى عن الأدوات التي تجعل السيادة ذات مصداقية.
وهنا يختبئ الجيل الحالي وراء نقاط ضعف طويلة الأمد للتهرب من المساءلة، وتراكمت نقاط الضعف هذه على مدى عقود، لكن هذا الجيل ورث فرصة سانحة كان للتحرك المبكر تأثير إيجابي فيها.
ومن حيث المبدأ الحقيقي، فإن الدافع لدخول عالم السياسة هو تحمل التكاليف نيابة عن العامة، وليس التهرب منها، حفاظاً على البقاء الشخصي.
ولهذا لم تكن السلطة، يوماً، العامل المحدد، فالقوة تمكّن القادة من إعادة ترتيب التوقيت والتسلسل، وإلغاء القيود، وبناء المصداقية من خلال العمل في الوقت المناسب.
وبناء عليه، لماذا عجزت الطبقة السياسية الحالية في أوروبا عن التحرك؟ لأن فرض التكاليف مسبقاً يتطلب مواجهة وتضحية ظاهرة، ويتم استبدالها باستمرار بإنكار معقول وحماية مؤسسية بدلاً من القيادة.
باختصار، تفتقر الطبقة الحاكمة الحالية في أوروبا إلى رأس المال السياسي والمكانة اللازمين لفرض التكاليف، ولا تملك الإرادة ولا المصداقية لبناء النفوذ المطلوب لذلك.
وتكون ذريعتهم هي ذاتها خلف الكواليس، الجماهير لا تقبل التضحية، ويُستخدم هذا الادعاء غطاءً ملائماً للشلل الحاصل، في الواقع استوعبت المجتمعات الأوروبية التضحيات عندما تم شرح التكاليف على الفور، وتوزيعها بشكل عادل، وربطها بحماية ملموسة.
والنتيجة هي ضعف التحالفات بصورة متعمدة، وتسعى كل دولة إلى حلول سريعة، وتصفها بالمصلحة الوطنية، ثم تبدي صدمتها عندما يتلاشى النفوذ الجماعي، وتقايض دولة ما بتنازلات رمزية مقابل الوصول إلى السوق، وأخرى تسعى إلى استثناءات من الضوابط، وثالثة تطالب بالحماية الأميركية، ورابعة تستقطب رأس المال الصيني.
ويبدأ التصحيح أولاً عن طريق ترك الشعارات واستعادة المرونة، حيثما يتم ممارسة الضغط، وتعني المرونة استيعاب الإكراه دون استسلام، وذلك من خلال القدرات المشتركة والآليات الجماعية التي ترفع من كلفة الضغط، ويتطلب ذلك قبول الاحتكاك مبكراً، وتحديد المقايضات مسبقاً، بدلاً من الارتجال تحت الضغوط.
وثانياً: يجب إخضاع كل قرار رئيس يتعلق بالتجارة والاستثمار والتقنيات والبنى التحتية لاختبار الإكراه.
وثالثاً: يجب أن تتخلص السياسة الصناعية من أي مظاهر، ولا تحتاج أوروبا لإعادة بناء كل شيء، لكن يجب عليها تأمين الركائز التي تحدد الصمود: وهي: التصنيع المتقدم، والإنتاج ذو الاستخدام المزدوج، وأنظمة الشراء الفعالة التي تنشئ رواداً أوروبيين.
ورابعاً: يجب أن يكون تجديد القيادة أمراً مفروغاً منه، وتحكم الطبقة الحالية من السياسيين كأوصياء، في فترة تعاقِب فيها الأوصياء، وتحتاج أوروبا إلى قادة مستعدين لبذل رأس مال سياسي، وتحمل العداء من المصالح المحمية، وتأمين التزامات من مختلف الأحزاب تجعل التراجع مكلفاً سياسياً.
وطالما بقي الاستغلال رخيصاً، فستستمر واشنطن في ممارسته، وطالما بقيت أدوات الضغط فعالة، فستستخدمها بكين، ولا سبيل لأوروبا لتغيير هذا الوضع إلا بجعل هذه الممارسات مكلفة على بكين وواشنطن، وإلا فستظل تدفع ثمن تأخير القرارات حتى يصبح خيار التأجيل غير موجود.
ولقد أنهى الجيل الحالي مرحلة التدريب، وتم تلقين الدرس علناً بشكل متكرر ومهين، فإما أن تصنع أوروبا القدرة التي تؤدي إلى إفشال الضغوط، أو أنها ستبقى سوقاً عرضةً للاستغلال، وعميلاً أمنياً تتم محاسبته، وتتحدث عن السيادة في حين تتنازل عن وسائل الدفاع. عن «آسيا تايمز»
• شهد تاريخ الأطلسي مشهدين من أكثر المشاهد المهينة، حين أجلس ترامب القادة الأوروبيين في البيت الأبيض وألقى عليهم محاضرات وهم أشبه بتلاميذ «سيئين».
• الطبقة الحاكمة الحالية في أوروبا تفتقر إلى رأس المال السياسي والمكانة اللازمين لفرض التكاليف، ولا تملك الإرادة ولا المصداقية لبناء النفوذ المطلوب لذلك.
