في عام 2007 أعلن رجل الأعمال والمخترع الراحل، ستيف جوبز، إطلاق أول هاتف «آي فون»، وتفاقمت أزمة الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة، وتوسع الاتحاد الأوروبي ليشمل رومانيا وبلغاريا، وأصبحت الهند للمرة الأولى اقتصاداً تريليونياً.

وبدأت المحادثات التجارية، في ذلك الوقت، بين الهند والاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى، لكن لم يتم توقيع الاتفاق إلا خلال الأسبوع الماضي، بعد ما يقرب من 20 عاماً، وذلك بعد بضعة أشهر أخيرة من مفاوضات مكثفة بشكل غير معتاد.

وأعلن، يوم الثلاثاء الماضي، كل من رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، عن صفقة ضخمة للغاية، أطلق عليها «أم جميع الصفقات»، وتَعِدُ بجمع نحو مليارَي مستهلك، وربع الناتج المحلي العالمي.

وتفتح هذه الصفقة أجزاءً من السوق المحلية الهندية المشهورة بأنها تتمتع بالحمائية، وبتركيز على تصدير البضائع المصنعة والخدمات، وبالمقابل سيجد أفراد الطبقة المتوسطة الهندية أنهم سيحصلون على البضائع الأوروبية، مثل السيارات وغيرها، بأسعار رخيصة.

وفي المقابل، سيجد المستهلكون الهنود من الطبقة المتوسطة، أن شراء السيارات الأوروبية أرخص، وفي الواقع فإن الأجندة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي والهند أوسع نطاقاً بكثير، إذ تشمل الدفاع والأمن، والالتزامات بالتعددية، والتنقل، والتعاون في مجالات عدة.

لكن لماذا هذا التغير المفاجئ بعد 20 عاماً من المفاوضات المتقطعة؟ الجواب هنا له علاقة بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويكشف اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي عن ملامح نظام عالمي جديد «ما بعد الولايات المتحدة»، وسط تهديدات متواصلة للسيادة الإقليمية، ورسوم جمركية عقابية، وتراجع في دور المؤسسات متعددة الأطراف.

وبدأت المحادثات الأصلية ببطء بخلافات حول السيارات والمشروبات الكحولية، والزراعة، والألبان، لكن تم تجاهلها بحلول عام 2013، وتم استئنافها في عام 2022، بعد أن كان العالم يسعى بعد فترة جائحة كورونا، إلى تقليل المخاطر وتنويع سلاسل الإمداد لأكثر من الصين، لكن للمفارقة، فإن الاتفاقية وصلت إلى نهايتها، ليس بسبب الصين، ولكن بسبب خيال ترامب المحدق بالعالم.

وفي ديسمبر 2024، وحتى قبل افتتاح مراسم فترته الرئاسية الثانية، عمد ترامب إلى ترويع أوروبا عن طريق إعادة طرح ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، فكيف تقوم هذه الدولة الحليفة بتهديد للسيادة الإقليمية، ما أدى إلى شعور واسع النطاق بأن أوروبا «وحيدة في الداخل» وسط توترات في العلاقات عبر الأطلسية المتشابكة.

ومما زاد الطين بلة، أن ترامب فرض في اليوم الأول لوجوده في السلطة، رسوماً جمركية عقابية على جيران أميركا وهما كندا والمكسيك، وهي خطوة بلغت ذروتها في «يوم التحرير» الذي فرض فيه ضرائب على 90 دولة حول العالم.

وتعرضت الهند لواحدة من أعلى معدلات التعرفة الجمركية، إذ بلغت 50%، وشملت زيادة قدرها 25% بسبب شرائها النفط الروسي بأسعار مخفضة، وأخيراً تم استخدام سلاح الرسوم الجمركية مجدداً ضد الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، عندما أرسلت ثماني دول عدداً من جنود حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى غرينلاند، ونتيجة لذلك لم يعد يُنظر إلى الولايات المتحدة، كما تُظهر استطلاعات الرأي العام الأخيرة، باعتبارها دولة يمكن الوثوق بها في أوروبا فحسب، بل صار يُنظر إليها على أنها تهديد صريح.

وعاد مفهوما «تقليل المخاطر» و«فك الارتباط» إلى الواجهة في أوروبا، إلا أن الهدف هذه المرة هو أميركا في عهد ترامب، وليس الصين، ولا يقتصر الأمر على سلاسل التوريد فحسب، بل يشمل أيضاً القدرة الاستراتيجية على التصدي للإكراه.

ويعد قرار الحكومة الفرنسية الأخير، بمنع المسؤولين من استخدام برامج مؤتمرات الفيديو الأميركية مثل «زووم» والترويج بدلاً منها لمنصة «فيزيو» المحلية، مثالاً واضحاً على ذلك.

وتعد هذه الصفقة التجارية بين الهند والاتحاد الأوروبي، هي الأكبر من نوعها، لكنها جزء من نزعة متنامية لكون العديد من الدول تحاول تشكيل التحالفات، وتوصلت بروكسل أخيراً إلى اتفاقية تجارية مع تكتل «ميركوسور» التجاري في أميركا الجنوبية، وهناك اتفاقيات عدة أخرى قيد الإعداد، وأبرمت الهند اتفاقيات مع المملكة المتحدة ونيوزيلندا خلال الأشهر القليلة الماضية.

وعلى الرغم من أن التصديق والتنفيذ يستغرقان وقتاً، وقد يواجهان بعض العقبات مثل التأخير في اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع «ميركوسور»، إلا أنهما يشيران إلى تحول لا لبس فيه، فالعالم الذي طالما حلم به كثيرون خارج الغرب، عالم التعددية القطبية، والاستقلال الاستراتيجي، وحتى التخلي عن الدولار، بدأ يتشكل، ببطء في البداية، ثم بسرعة.

وقبل يوم واحد من القمة الهندية الأوروبية، كان قادة الاتحاد الأوروبي، وللمرة الأولى ضيوف شرف خلال احتفالات في يوم الجمهورية الهندية، حيث تمت دعوتهم ليشهدوا العرض العسكري والاحتفالات، وكانت الصور التي ظهرت بمنزلة عالم مغاير تماماً للكآبة التي خيمت على المزاج الأوروبي في الأشهر الأخيرة، وعكست الصور روحاً من الود، وحتى التفاؤل، ويواصل العالم التحرك، في حين أن أميركا تبدو وحدها.   عن «الغارديان»

• قبل يوم واحد من القمة الهندية الأوروبية، كان قادة الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى، ضيوف شرف خلال احتفالات في يوم الجمهورية الهندية، حيث تمت دعوتهم ليشهدوا العرض العسكري والاحتفالات.

شاركها.
Exit mobile version