في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة لإعادة نشر قوتها الجوية عبر المحيط الهادئ، يتساءل المراقبون عما إذا كان الانتشار الأميركي يمكن أن يظل متقدماً على الجهود الحثيثة التي تقوم بها الصين للمراقبة ونشر الصواريخ، ويكون ذا أهمية في حرب محتملة على تايوان.

وأفادت مجلة «نيوزويك»، أخيراً، بأن الولايات المتحدة تعيد إحياء عشرات المطارات التي تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية عبر المحيط الهادئ، كجزء من جهد عسكري شامل للتحضير لصدام محتمل مع الصين.

وبقيادة سلاح الجو الأميركي في إطار مبدأ «الاستخدام القتالي المرن»، تهدف المبادرة إلى نشر القوة الجوية الأميركية عبر شبكة أوسع من القواعد لتقليل التعرّض لضربات الصواريخ الصينية. ويقوم مهندسون عسكريون من القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية بإعادة تأهيل مدارج مهجورة في جزر نائية، بما في ذلك «تينيان» في جزر «ماريانا» الشمالية، وغوام، وبالاو، إضافة إلى أماكن في «ميكرونيزيا» والفلبين وألاسكا.

ويعمل المهندسون على إعادة تأهيلها لتصبح جاهزة للتشغيل مع تحديث المرافق لتلائم الطائرات الحديثة.

وتعكس هذه الجهود القلق المتزايد داخل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، من أن توسيع الصين لترسانة صواريخها الباليستية قد يهدد القواعد الأميركية الرئيسة، مثل غوام وأوكيناوا في المراحل الأولى من أي حرب محتملة، لاسيما حول تايوان.

ومن خلال زيادة عدد المطارات، وتخزين الوقود والذخيرة ومعدات الإصلاح مسبقاً، يهدف المخططون الأميركيون إلى تعقيد عمليات الاستهداف الصينية، ومواصلة العمليات القتالية بعد الهجمات، وتعزيز الردع.

ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل أكبر مشروع، وهو «نورث فيلد» في «تينيان»، بحلول عام 2027، وهو الإطار الزمني الذي يعتبره المسؤولون الأميركيون فترة تتزايد فيها المخاطر.

وقد انتقدت الصين هذه الخطوات، باعتبارها تفكيراً من عصر الحرب الباردة، بينما يقول المسؤولون الأميركيون إن الاستعدادات تهدف إلى منع الصراع أو ضمان الاستعداد في حالة فشل الردع.

وكما أشارت كيلي جريكو وكتّاب آخرون في مقال نشرته مجلة «ستيمسون» في ديسمبر 2024، فإن تدمير الأهداف، مثل المطارات الثابتة والطائرات الموجودة على الأرض، أسهل بكثير من تدمير الأهداف المتحركة. وتستشهد جريكو وآخرون بكتابات الجيش الشعبي الصيني، التي تؤكد أن القواعد الجوية هي نقطة ضعف القوة الجوية الأميركية في المحيط الهادئ، مشددين على ضرورة تدميرها (في حال نشوب حرب) في وقت مبكر لمنع الطائرات المقاتلة الأميركية، مثل القاذفات والمقاتلات، من الإقلاع.

ومع ذلك، فإن استراتيجية «الاستخدام القتالي المرن» تقوم على فكرة أن الولايات المتحدة يمكنها نقل طائراتها بين قواعد جوية متعددة بسرعة أكبر من قدرة الصين على مطاردتها، بواسطة قدراتها في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. وتشير راشيل كوهين، في مقال نشرته مجلة «أير فورس تايمز»، في ديسمبر 2021، إلى أن العمليات في الشرق الأوسط أظهرت أن إعداد طائرة مقاتلة للانطلاق مرة أخرى بعد عودتها من مهمة يستغرق نحو ثلاث ساعات.

لكن هذه السرعة قد لا تكون كافية لتفوق قدرات الصين في تحديد الأهداف. وفي شهادة أدلى بها في مارس 2024 أمام لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، ذكر مايكل دام، أن نظام الاستطلاع والمراقبة الصيني قد وصل إلى مستوى يكفي لتمكينه من استهداف القواعد الجوية الأميركية في غرب المحيط الهادئ في حالة نشوب نزاع حول تايوان.

ويقول دام إنه اعتباراً من يناير 2024، كان الجيش الصيني يشغل أكثر من 359 قمراً اصطناعياً للاستطلاع والمراقبة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه في 2018، بما في ذلك 14 قمراً للاستطلاع والمراقبة في المدار الثابت بالنسبة للأرض (مقارنة مع ستة أقمار في 2020)، ومجموعة من الأقمار الاصطناعية للاستطلاع والمراقبة في المدار الأرضي المنخفض، بزيادة ثلاثة أضعاف.

ويضيف دام، أن أقمار الاستخبارات الإشارية المتزامنة مع الأرض، مثل «تي جاي اس 1»، يمكنها تحديد المواقع الجغرافية لمصادر الإشارات الأميركية في جميع أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ بشكل مستمر، في حين أن بإمكان أقمار «جاي إي أو» الكهروضوئية والرادارات المتطورة، اكتشاف الأهداف الثابتة، بما في ذلك المطارات.

إضافة إلى ذلك، يقول دام، إن شبكة الاستطلاع والاستخبارات والمراقبة هذه، إلى جانب «رادار ما وراء الأفق»، الذي يكتشف الطائرات على مسافة تصل إلى 3000 كيلومتر، تدعم عمليات الضربات الجوية للجيش الصيني.

وقد يكون الهجوم الصيني الوقائي على المطارات الأميركية في المحيط الهادئ مدمراً. وفي تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في يناير 2023، حذر مارك كانسيان وكتّاب آخرون من أن خسائر الطائرات الأميركية في صراع تايوان ستكون فادحة للغاية، وستتركز في المرحلة الأولى.

ويشير كانسيان وآخرون إلى أنه خلال محاكاة الحرب، تبين أن الولايات المتحدة ستفقد ما يقرب من 300 إلى 500 طائرة خلال الأسابيع الأولى من القتال. ويضيفون أن 90% من هذه الخسائر تحدث على الأرض، وليست في الاشتباكات الجوية، حيث تدمر الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الصينية، القواعد الجوية الأميركية والحليفة في اليابان وغوام، قبل أن تتمكن الطائرات من الطيران.

أما بالنسبة لكيفية تأثير مثل هذه الضربات على الجدول الزمني للتدخل الأميركي المحتمل، فيشير جريكو وآخرون إلى أن مثل هذه الضربات قد تجعل مدارج وممرات الطائرات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة في اليابان، غير قابلة للوصول خلال الأيام الـ12 الأولى من الصراع، ما يعيق عمليات المقاتلات الضرورية لدعم تايوان.

كما يسلط المحللون الضوء على أن ناقلات التزويد بالوقود الجوي لن تكون قادرة على العمل من اليابان لأكثر من شهر، ما يعيق وصول الطائرات الأميركية إلى مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي.

ووفقاً لجريكو ومحللين آخرين، فإن ذلك قد يحد بشكل كبير من معدلات الطلعات الجوية، ويؤخر نشر القاذفات، وربما يمنح الصين فترة 30 يوماً من التفوق الجوي لمتابعة إنجاز المهمة بسرعة.

علاوة على ذلك، قد يؤدي توسع الوجود الصيني في جنوب المحيط الهادئ إلى تقييد حرية حركة القوات الأميركية بشكل كبير. كما يشير تشيهوي يو، في تقرير جامعة «جيمستاون» الصادر في يوليو 2024، فإن استثمارات الصين في الموانئ والمطارات وشراكاتها في جنوب المحيط الهادئ، خصوصاً في جزر سليمان و«فيجي» و«ساموا»، تعزز نفوذها العسكري، وتمنحها القدرة على مراقبة الطرق البحرية والجوية الرئيسة. عن «إيجا تايمز»


المطارات الصينية

يقول برنت سادلر، في مقال نشرته مؤسسة «هيريتيج» في ديسمبر 2025، إن المطارات الصينية الواقعة على الجزر قد تعقّد جهود الولايات المتحدة لتحريك الطائرات التي تتعرض للهجوم. ويلاحظ سادلر أن من المدهش كيف أن استثمارات الصين في المنشآت ذات الاستخدام المزدوج، مثل الموانئ والمطارات، استمرت دون عوائق لفترة طويلة.

وعلى الرغم من هذه المخاطر، تعمل الولايات المتحدة جاهدة للحفاظ على استراتيجية استخدام قتالي مرن قابلة للتطبيق. ويشير ديريك غروسمان في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» في يونيو 2023 إلى أن الولايات المتحدة جددت وعززت في ذلك العام اتفاقيات «الارتباط الحر» مع «ميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال»، ما منح الجيش الأميركي حقوقاً حصرية في إقامة قواعد عسكرية، والوصول إلى مساحات شاسعة من المحيط الهادئ، وهو ما يمثل فعلياً «طريقاً سريعاً لتعزيز القوة»، يمتد عبر مناطق بحرية تبلغ مساحتها حجم الولايات المتحدة القارية.

. الصين انتقدت الخطوات الأميركية باعتبارها تفكيراً من عصر الحرب الباردة، بينما يقول المسؤولون الأميركيون إن الاستعدادات تهدف إلى منع الصراع أو ضمان الاستعداد في حالة فشل الردع.

شاركها.