بعد رحلة شاقة استغرقت نحو 10 ساعات بالحافلة عبر طرق فنزويلا، وصلت كارولينا كاريزو إلى العاصمة كاراكاس؛ بحثاً عن زوجها المفقود عمر توريس، البالغ من العمر 53 عاماً. وبمجرد وصولها، لم تجد مأوى، فصنعت لنفسها فراشاً بدائياً من وسائد أريكة مهملة، ونامت في العراء أمام مركز الاحتجاز المعروف باسم «زونا 7».

وتروي كاريزو أن 30 عنصراً من الشرطة اقتحموا منزل الأسرة في غرب فنزويلا قبل نحو شهرين، خلال عملية بحث عن أسلحة، واعتقلوا زوجها، وهو ناشط سياسي معروف. ومنذ ذلك اليوم، لم تعترف السلطات رسمياً باعتقاله، ولم تتلقَ العائلة أي معلومات عن مصيره أو مكان احتجازه.

ومنذ وصولها إلى كاراكاس قبل أسبوعين، تبيت كاريزو كل ليلة خارج سجن «زونا 7»، على الرغم من أنها لا تعلم إن كان زوجها محتجزاً في هذا السجن أصلاً. ومع ذلك، لم تجد خياراً آخر سوى الانتظار والأمل.

تطورات سياسية

وجاءت هذه المعاناة في ظل تطورات سياسية لافتة، حيث إنه بعد إقدام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدأت الحكومة المؤقتة في البلاد تحظى بتغطية إعلامية واسعة بسبب إعلانها الإفراج عن عشرات السجناء السياسيين.

وتؤكد منظمات حقوقية أن هؤلاء الأشخاص اعتُقلوا تعسفياً، كما أعادت عمليات الإفراج المحدودة تسليط الضوء على ظاهرة قديمة ومتكررة في فنزويلا، وهي اختفاء أشخاص بعد اعتقالهم، وغالباً لأسباب سياسية.

وأحيت تصريحات ترامب، التي أشاد فيها بما وصفه بتسامح الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز، آمالاً واسعة لدى عائلات المفقودين، على أمل أن يؤدي التقارب بين واشنطن وكاراكاس إلى الكشف عن مصير عشرات المختفين وإطلاق سراحهم.

وتقول كاريزو بحرقة: «نحن جميعاً هنا خارج السجون بسبب ما فعله ترامب.. الآن كل ما أريده هو عودة زوجي».

أماكن مجهولة

ولم تكن كاريزو وحدها في هذا الانتظار القاسي، فقد افترشت الشوارع المحيطة بسجن «زونا 7» أمهات وزوجات قدمن من مختلف أنحاء فنزويلا، ونصبن خيامهن بالقرب من عشرات من رجال الشرطة المجهزين بمعدات مكافحة الشغب.

ورغم تأكيد الشرطة أن السجن خالٍ من المحتجزين، تقول العائلات إنها تسمع أصوات صراخ صادرة من داخله.

ومن بين هؤلاء، بيتسي أوريانا، التي تبحث عن ابنها رودولفو خوسيه رودريغيز أوريانا، وهو ضابط شرطة سابق محكوم بالسجن 24 عاماً بتهمة المشاركة في مؤامرة لقلب نظام الحكم. وتقول أوريانا إن ابنها مفقود منذ أغسطس الماضي، معربة عن قناعتها بأن «ترامب هو من سيخرجهم».

ووفقاً لمنظمة «فور بينال» الحقوقية غير الحكومية، والتي تُعد من أبرز الجهات المعنية بتوثيق الاعتقالات ذات الدوافع السياسية، فإن أماكن وجود ما لا يقل عن 66 سجيناً في فنزويلا لاتزال مجهولة. ومن بين هؤلاء نحو 30 شخصاً شاركوا في محاولة «غزو فنزويلا» عام 2020، المعروفة باسم «عملية جدعون»، وهي خطة لقتل مادورو أو اختطافه وإرساله إلى الولايات المتحدة.

وقد فشلت تلك المحاولة، التي خطط لها جندي أميركي سابق من القوات الخاصة، فشلاً ذريعاً، إذ قُتل ثمانية من المشاركين، في حين اعتُقل الباقون، ولايزال مصيرهم مجهولاً منذ نقلهم في أغسطس الماضي. ولم تصدر الحكومة الفنزويلية أي رد على الاستفسارات المتعلقة بهذه القضايا.

الاختفاء القسري

ويُعد الاختفاء القسري ممارسة قديمة تعود لعقود، استخدمتها الأنظمة الديكتاتورية في أميركا اللاتينية أداة لقمع المعارضين، سواء كانوا طلاباً أو نشطاء أو حتى أجانب. ويُصنف هذا الأسلوب باعتباره انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وجريمة ضد الإنسانية، نظراً لعدم التزام السلطات بالإفصاح عن مكان أي شخص محتجز لديها، حيث لايزال بعض الأشخاص في فنزويلا مختفين منذ ما يقارب السنة.

وينص القانون الفنزويلي على ضرورة عرض المحتجزين على القضاء خلال 48 ساعة من اعتقالهم، إلا أن نشطاء حقوق الإنسان يؤكدون أن هذا النص غالباً ما يُهمل، لاسيما في حالات الاختفاء القسري، حيث تجهل العائلات حتى مكان احتجاز أبنائها.

وكانت الحكومة الفنزويلية، شنت حملة قمع واسعة عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في يوليو 2024، بهدف إسكات المعارضة، بعد أن أعلن مادورو فوزه بالانتخابات رغم أن نتائج فرز الأصوات أشارت إلى عكس ذلك. ووفق منظمة «فور بينال»، لايزال نحو 800 شخص محتجزين بوصفهم سجناء سياسيين، رغم الإفراج أخيراً عن 154 شخصاً.

انتهاكات

ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن اختفاء السجناء يمثل أخطر أشكال الانتهاكات، خصوصاً في الدول التي تشهد انتهاكات متكررة، لأن المحتجزين يكونون خارج حماية القانون تماماً، كما تجد العائلات صعوبة بالغة في توكيل محامين في قضايا لا تعترف بها السلطات رسمياً، ما يزيد من تعرض المختفين للخطر.

وأشارت منظمة العفو الدولية في تقرير لها العام الماضي إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الاختفاء القسري في فنزويلا بعد انتخابات 2024، مؤكدة أن بعض الأشخاص يختفون ساعات أو أياماً أو أسابيع، بل أشهراً.

وقالت مسؤولة حملات أميركا الجنوبية في منظمة العفو الدولية، كلارا ديل كامبو، إن العائلات «تطرق أبواب السجون حرفياً» بحثاً عن أبنائها، لكن الحراس ينكرون وجودهم، معتبرة أن ذلك يعكس ما وصفته بـ«براعة» الأنظمة القمعية في ابتكار وسائل جديدة لممارسة القسوة ومعاقبة من تعدهم معارضين حقيقيين أو حتى وهميين.

قلق

من جهتها، لاتزال عائلة الناشط السياسي فيكتور بورخيس، البالغ من العمر 39 عاماً، تعيش حالة من القلق منذ اختفائه في 25 نوفمبر الماضي. وتقول زوجته السابقة، يسلي بيلو، البالغة من العمر 26 عاماً: «كأن الأرض ابتلعته».

وأفاد شهود عيان بأن سيارات تحمل شعارات الشرطة الوطنية البوليفارية وصلت إلى مكان عمل بورخيس، وهي مدرسة خاصة مرموقة كان يعمل فيها مشرفاً على الحيوانات في حديقة الحيوانات الأليفة، واقتادته إلى جهة مجهولة.

وتؤكد عائلته أنها زارت عدداً لا يُحصى من الجهات الحكومية والسجون والمستشفيات ومراكز الشرطة وحتى المشارح، وفي كل مرة كان الرد واحداً: «لا يوجد شخص بهذا الاسم».

ومع مرور الوقت، بدأت بيلو تفكر في احتمال ألا يعود بورخيس أبداً إليها أو إلى أطفاله الخمسة، وتقول بعينين دامعتين: «سأخبرهم يوماً ما عن الأب العظيم الذي كان لديهم». عن «نيويورك تايمز»

. إشادة ترامب بما وصفه بتسامح الرئيسة بالوكالة أحيت آمال عائلات المفقودين.

. «العفو الدولية» أكدت زيادة حالات الاختفاء القسري في فنزويلا بعد انتخابات 2024.


«المختفون»

يعود استخدام مصطلح «المختفون» إلى سبعينات القرن الماضي في الأرجنتين، حين قامت الدكتاتورية العسكرية آنذاك باختطاف ما يقرب من 30 ألف شخص، تعرض كثير منهم للتعذيب، وأُلقي ببعضهم من الطائرات في البحر.

ولعقود، ارتبط هذا المصطلح بفكرة أن الشخص مفقود وغالباً ميت، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً في المعنى، حيث بات يُعتقد في دول مثل نيكاراغوا أن المختفين لايزالون أحياء، لكنهم محتجزون سراً دون سجلات رسمية. وعلى الرغم من الإفراج أخيراً عن عشرات المختفين في نيكاراغوا، فلايزال مصير تسعة أشخاص مجهولاً، بحسب منظمات مراقبة السجناء.


عذاب نفسي للأسر

ماريليس رودريغز سافرت إلى كراكاس بحثاً عن ابنها البالغ من العمر 29 عاماً. من المصدر

قالت الباحثة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، مارتينا رابيدو، إن الاختفاء القسري يُستخدم – دائماً – وسيلة، وتلك الوسيلة لا تهدف فقط إلى كسر الشخص المعتقل، بل إلى تحطيم أسرته وتعذيبها نفسياً أيضاً، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تنفذ أحياناً بدافع الانتقام من المعارضين السياسيين.

وأوضحت رابيدو أن حالات الاختفاء القسري تتخذ عادة أحد نمطين، يتمثل الأول في اعتقالات قصيرة الأمد تستمر لأيام قليلة، في حين يشمل النمط الثاني احتجاز نشطاء بارزين لفترات طويلة في أماكن سرية، مع عزلهم الكامل عن العالم الخارجي.

وفي هذا السياق، قطعت ماريليس رودريغز، البالغة من العمر 58 عاماً، مسافة تقارب 200 كيلومتر من مدينة أكاريغوا إلى العاصمة كاراكاس بحثاً عن ابنها كارلوس خوسيه رودريغز (29 عاماً). وأفادت بأن الشرطة اعتقلت ابنها من منزله في 23 سبتمبر 2025، بزعم تورطه في بيع الدولار بشكل غير قانوني في السوق السوداء. وقالت رودريغز إن اعتقال ابنها تم بغرض التحقيق فقط، مشيرة إلى أنهم أخبروها بأنهم يريدون سؤاله عن أمر ما، إلا أنه لم يعد منذ ذلك الحين، ولم تتلقَ العائلة أي معلومات عنه طول نحو أربعة أشهر. وأكدت أن ابنها كان يعمل في بيع البضائع المستوردة، ولم يكن منخرطاً في أي نشاط سياسي.

وأضافت أن كارلوس أصبح أباً لأول مرة بعد اعتقاله، حيث وُلد ابنه دون أن يتمكن من رؤيته حتى الآن.

وذكرت العائلة أنها بحثت عن كارلوس فيما لا يقل عن خمسة سجون في كاراكاس، وسألت عنه في جميع مراكز الشرطة في أكاريغوا، دون جدوى.


خلاف مع ضباط شرطة

1766305

ليومارس تبحث عن والدها في سجن سيئ السمعة. من المصدر

سافرت ليوماريس برادو لمدة ثماني ساعات بالحافلة من ولاية غواريكو إلى سجن «إل هيليكويدي» في كاراكاس، المعروف بسمعته السيئة كمركز احتجاز وتعذيب، بحثاً عن والدها ليوناردو برادو، وهو ميكانيكي فُقد أثره منذ 28 ديسمبر الماضي. وذكرت أن والدها اعتُقل عند إحدى نقاط التفتيش، وفقاً لما أُبلغت به العائلة. وأكدت ليوماريس أن والدها لم يكن ناشطاً سياسياً، لكنها أشارت إلى أنه دخل أخيراً في خلاف مع جيران يعملون ضباط شرطة، ما دفع العائلة للتساؤل عما إذا كان هذا النزاع سبباً في اعتقاله.

وقالت ليوماريس: «أنا هنا فقط لأتأكد من أن والدي لايزال على قيد الحياة، وأريد أن أعرف أين هو الآن، ولماذا تم اعتقاله، وأطالبهم بتقديم دليل على ذلك».

شاركها.