تكتسب مسائل استبدال السكان وتراجع أعدادهم في آيسلندا طابعاً ملحاً في بلد يبلغ عدد سكانه أقل من سكان مدينة «ويتشيتا» في ولاية كانساس الأميركية (يبلغ عدد سكان المدينة 395.699 ألف نسمة). هذا هو بالضبط السيناريو في آيسلندا، الجزيرة النائية الموجودة شمال المحيط الأطلسي، حيث وصلت أعداد المهاجرين إلى مستويات «أزمة».

هذا هو النمط نفسه الذي انتشر في جميع أنحاء أوروبا، ذلك أن الجرائم التي تحدث تجعل بعض الأحياء غير معروفة، وبعض تلك الجرائم ينتشر على الإنترنت، والقليل منها يصل إلى وسائل الإعلام الآيسلندية، ولا يحظى أي منها تقريباً باهتمام دولي، فالأنشطة الإجرامية «الشبابية» تحيّر المعلمين والآباء وسلطات إنفاذ القانون، بعد أن وصلت عصابات إجرامية من أحياء المهاجرين في أوروبا القارية، في وقت تحذر فيه الشرطة الآيسلندية من أن التطرف يمثل تهديداً جديداً، إذ تم ترحيل مهاجر واحد على الأقل مرتبط بتنظيم متطرف العام الجاري.

قضية مثيرة

انتهت قضية مثيرة بشكل خاص هذا الصيف، عندما قضت المحكمة العليا في آيسلندا بأن مهاجراً يعمل في مدرسة ابتدائية اعتدى جنسياً بشكل متكرر على طالبة في المدرسة تبلغ من العمر 14 عاماً، وعلى مدى أشهر عدة.

وكانت محكمة محلية رفضت في وقت سابق تهم الاغتصاب الأكثر خطورة، بحجة «سوء الفهم الثقافي»، في وقت سلّط فيه سكرتير رئيس الوزراء السابق، وخلال «المنتدى العالمي للاجئين 2019»، الضوء على الجاني، باعتباره قصة نجاح في الاندماج.

تغيير اجتماعي سريع

قالت رئيسة الوزراء الاشتراكية الديمقراطية كريسترون فروستادوتير، هذا الصيف: «من الطبيعي أن تثور المشاعر عندما يتعلق الأمر بتغيير اجتماعي سريع كهذا». وأضافت: «يجب أن نضع في اعتبارنا أن نسبة المهاجرين في آيسلندا قد نمت بسرعة كبيرة في غضون بضع سنوات فقط، وهذا بطبيعة الحال يجعل الناس يفكرون».

أما مدرب كرة السلة برينجار كارل سيغوردسون، فقد ابتكر وصف «بيبي مالمو» لحي من الطبقة العاملة في العاصمة ريكيافيك، اكتسب بسرعة عدداً كبيراً من السكان المهاجرين. وقال سيغوردسون: «أنا غاضب من نفسي ومن الجميع، لأننا تركنا الأمور تصل إلى هذا الحد». وتابع: «وصلنا إلى نقطة نسمح فيها للعدوى بأن تتسبب في بتر الساق بأكملها. لا يمكن فعل أي شيء عندما يتجاوز الأمر حداً معيناً». وقد أثار أحد المعلمين في ريكيافيك جدلاً وطنياً بزعمه أن 90% من طلابه من أصل أجنبي، وأنه لا أحد منهم، حتى من بين العدد القليل من المتحدثين باللغة الآيسلندية، يستطيع فهم جملة «القلب يضخ الدم».

وبحلول عام 2023، شكل الأجانب بين 15 و20% من طلاب المدارس الآيسلندية. وفي مناطق مثل «بريدهولت» والمنطقة القريبة من مطار كيفلافيك الدولي، المليئة بالمنشآت العسكرية الأميركية السابقة، ترتفع هذه النسب بشكل ملحوظ.

المشهد الاقتصادي

أما المشهد الاقتصادي فيتميز بالمزيج الأوروبي المعتاد من: الدعم الحكومي، والعمل المؤقت، والأنشطة غير المشروعة، في وقت تزداد فيه جاذبية أنشطة العصابات بالنسبة للفتيان والشباب المهاجرين.

ويوضح تقرير صدر أخيراً عن محطة البث الحكومية «آر يو في»، كيف غمرت العمالة الأجنبية مهنة قيادة سيارات الأجرة. وفي إحدى الليالي في منطقة العاصمة، أجرى صحافيون مقابلات مع سائقين من أفغانستان، وساحل العاج، والمغرب، والفلبين. وقال أحد الآيسلنديين العاملين في هذا القطاع: «السوق مشبعة تماماً، ولايزالون يصدرون رخصاً.. لا توجد قيود، والمنافسة شديدة للغاية، ما يعني أن ذلك يزيد من احتمالات بدء الناس في الغش والتهرب من الضرائب». وبالمقابل، بدأ بعض السائقين الآيسلنديين، الذين يتناقص عددهم، في وضع العلم الوطني على زجاج سياراتهم الأمامي.

نموذج قياسي

يشكو الآيسلنديون بشكل متزايد من أن أرضهم «السيادية» تتحول إلى منطقة اقتصادية أو مستعمرة ناطقة باللغة الإنجليزية.

«البلد سيباع»، هكذا يقول المقطع المتكرر في رواية الحرب الباردة للكاتب الحائز جائزة نوبل هالدور لاكسنس. وبعد ثمانية عقود، لايزال هذا الشعور قائماً بشكل ملحوظ.

لم تتبع آيسلندا النموذج القياسي لأوروبا الغربية، حيث استضافت ألمانيا الغربية بحلول عام 1973 ما مجموعه 2.6 مليون عامل مهاجر، وأصدر الكاتب الفرنسي جان راسبيل تحذيراً صارماً للحضارة الأوروبية. وبدلاً من ذلك، تشابهت آيسلندا مع إيرلندا، وهي أيضاً جزيرة منعزلة، استهلكت فيها الرأسمالية الجامحة مجتمعاً كان زراعياً في السابق. في التسعينيات، امتد كرم الآيسلنديين إلى مجموعة متواضعة، ولكنها مرئية من اللاجئين من حروب يوغوسلافيا. وفي عام 1994، انضمت آيسلندا إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وفي عام 2004، انضمت مجموعة كبيرة من دول أوروبا الوسطى والشرقية ما بعد الشيوعية إلى الاتحاد الأوروبي. ومرة أخرى، كان النمط مشابهاً لإيرلندا. وكان البولنديون والسلوفاكيون والليتوانيون بارزين في موجة غير مسبوقة من الوافدين الجدد إلى الجزيرة المنعزلة والمتجانسة. وكان معظم هؤلاء الوافدين الجدد ينتمون إلى ثقافات متوافقة إلى حد كبير مع المجتمع الآيسلندي. يذكر أن «الكاثوليكية» اكتسبت شهرة لم تشهدها، منذ إعدام الأسقف جون أراسون في عام 1550. والأسقف الكاثوليكي الحالي لريكيافيك هو من أصول سلوفاكية، وقد حضر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو مراسم افتتاح كنيسة كاثوليكية في منطقة نائية بشرق آيسلندا في عام 2017.

عن «ذي أميركن كونفرسيشن»


منازل مفتوحة لطالبي اللجوء

مقارنة مع إيرلندا، كانت الأزمة المالية التي عانت منها آيسلندا في الفترة 2008-2011، وفقاً لبعض المقاييس، أكبر انهيار مصرفي في تاريخ البشرية. وكان ذلك وقتاً لتقييم المجتمع الآيسلندي، لكن الهجرة لم تكن قد برزت بعد كموضوع سياسي ملح.

وبحلول عام 2015، شكل المهاجرون 8.9% من السكان (لايزال عددهم أقل من 30 ألف شخص)، وكان على الآيسلنديين أن يدرسوا مستقبلهم الوطني. وبدلاً من ذلك، بدأت السياسة الآيسلندية تتقارب تماماً مع سياسة أوروبا القارية.

خلال أزمة المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل في ذلك العام، أعلن الآيسلنديون الأثرياء أن منازلهم مفتوحة للسوريين وغيرهم من طالبي اللجوء من الشرق الأوسط.

وظلت الأحياء الغنية في ريكيافيك في الغالب آيسلندية ومليئة بالمشاعر المؤيدة للاجئين، في حين أصبحت الأحياء الفقيرة والأكثر قسوة مثل «بريدهولت» تشبه المناطق المحظورة في عواصم أوروبية أخرى.

. بحلول عام 2023، شكل الأجانب بين 15 و20% من طلاب المدارس الآيسلندية.

شاركها.
Exit mobile version