في عصر التحول الرقمي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منابر مفتوحة لكل من يمتلك هاتفاً ذكياً وحساباً إلكترونياً، وهو ما أتاح فرصاً واسعة للتعبير وتبادل الآراء، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام ظاهرة مقلقة تُعرف بـ«المغرّدين بلا معرفة»، أولئك الذين يتصدرون المشهد الرقمي دون امتلاك الحد الأدنى من الفهم أو المعلومة الموثوقة، يرددون ما يُكتب دون التأكد من صحة ما يغرّدون به. لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في إبداء الرأي بحد ذاته، فحرية التعبير قيمة إنسانية راسخة، ولكن تكمن الخطورة في تقديم معلومات غير دقيقة، أو تفسيرات خطأ، أو أحكام متسرعة على قضايا حساسة تتعلق بقضايا المجتمع. ومع سرعة انتشار المحتوى الرقمي يتحول الخطأ الصغير إلى تضليل واسع يصعب تصحيحه لاحقاً. التضليل الرقمي لا يقتصر على نشر الأخبار الكاذبة فقط، بل يشمل أيضاً اجتزاء المعلومات من سياقها، أو المبالغة في تفسير الأحداث، أو توجيه الرأي العام بناءً على عاطفة لا على حقيقة موثوقة. وهنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين: إما أداة وعي وبناء في المجتمع، أو منصة فوضى وتشويش. ولا يعني ذلك الدعوة إلى تكميم الآراء أو تقييد حرية التعبير، بل على العكس فالمجال الرقمي مساحة مهمة للنقاش البنّاء متى ما اقترن بالوعي والمسؤولية والمعرفة، فالرأي الواعي يسهم في تطوير المجتمع، أما الرأي القائم على الجهل أو الإثارة فيؤدي إلى تشويه الحقائق، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة الرقمية وتشجيع الأفراد على التحقق قبل التغريد. وقد أدرك المشرّع الإماراتي خطورة هذا المسار، فسنّ تشريعات واضحة تجرّم نشر الشائعات والأخبار المضللة حمايةً للمجتمع، وصوناً للاستقرار وضماناً لعدم العبث بالرأي العام. إلا أن القانون وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه وعي مجتمعي ومسؤولية فردية في التعامل مع المعلومة. إن مواجهة ظاهرة (المغرّدين بلا معرفة) تبدأ من تعزيز الثقافة الإعلامية، وتشجيع الأفراد على التحقق من المصادر، والتمييز بين الرأي والمعلومة، واحترام التخصص، والرجوع إلى الجهات المعنية للتحقق قبل إعادة النشر أو التعليق، فالكلمة في الفضاء الرقمي لم تعد مجرد رأي عابر، بل أصبحت فعلاً مؤثراً قد يبني وعياً.. أو يهدم ثقة. وفي النهاية يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل، والمسؤولية الأخلاقية هي المعيار الحقيقي لحرية التعبير في العصر الرقمي.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

شاركها.
Exit mobile version