أكد المدير العام رئيس مجلس المديرين في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، مطر الطاير، أن دبي ترسخ نموذج المدينة القادرة على استيعاب النمو السريع وتحويله إلى جودة حياة مستدامة، لافتاً إلى أن المدن العالمية تمر اليوم بمرحلة غير مسبوقة من التسارع الشامل على مختلف المستويات، من حيث النموّ والتكنولوجيا وتوقعات الناس والتحديات البيئية، وهو ما يفرض على الحكومات إعادة تعريف أدوارها وأدواتها في قيادة التحولات الكبرى، والانتقال من دور المشغّل إلى دور المُمكّن والمُنظّم، مع تمكين القطاع الخاص، لقيادة الابتكار ضمن شراكات واضحة، بما يضمن استدامة النمو، وجودة الحياة للأجيال القادمة.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية رئيسة ضمن أعمال القّمة العالمية للحكومات 2026، أدارتها الإعلامية مينا العريبي، بحضور نخبة من صناع القرار وقادة الحكومات وممثلي المؤسسات الدولية والقطاع الخاص، حيث تناولت الجلسة دور الحكومات في قيادة التحولات الحضرية، ومستقبل التنقل، وأهمية الشراكات في بناء مدن قادرة على الصمود، والتكيف مع المتغيرات المتسارعة.

وقال الطاير: «خلال الدورة السابقة للقمة، وقّعنا بحضور سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، مذكرة تفاهم مع شركة The Boring Company لدراسة تنفيذ مشروع (دبي لوب)، واليوم انتقل المشروع من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ بدعم من القيادة الرشيدة، وقريباً سنراه على أرض الواقع ليشكّل إضافة نوعية لمنظومة النقل في الإمارة»، مؤكداً أن المشروع يمثل نقلة نوعية في حلول التنقل في الميل الأول والأخير، حيث نهدف من خلاله إلى تطبيق حلول مبتكرة لتلك المنظومة.

وأضاف أن توصيف المرحلة الراهنة التي تعيشها المدن العالمية يمكن اختصاره في: «عصر التسارع الحضري»، موضحاً أنه يشمل النمو السكاني، والتطور التكنولوجي المتلاحق، وارتفاع توقعات السكان، إلى جانب تصاعد التحديات البيئية، مشيراً إلى أن أكثر من 55% من سكان العالم يعيشون اليوم في المدن، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 70% بحلول عام 2050، وهو ما يعني ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية والخدمات الحضرية.

وقال الطاير: «في دبي بلغ معدل النمو السكاني نحو 7% سنوياً، مع اقتراب عدد السكان خلال ساعات النهار من تجاوز 6 ملايين نسمة، بالتزامن مع نمو متواصل في أعداد السياح الدوليين، حيث استقبلت الإمارة خلال العام الماضي أكثر من 17 مليون سائح دولي، بزيادة 5% على العام 2024».

وتابع أن المتغيرات الجيوسياسية العالمية أسهمت في تعزيز جاذبية دبي مكاناً للعيش والاستقرار، إلى جانب ما تتمتع به الإمارة من مستويات عالية من جودة الحياة، مؤكداً أن رؤية دبي بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ترتكز على التحوّل نحو منظومة تنقُّل تضع الإنسان في قلب التخطيط، بهدف تقليل الزمن والانبعاثات، وتحسين جودة الحياة، بحيث تتحوّل من مدينة للمركبات، إلى مدينة للإنسان.

وأوضح الطاير أن جاذبية دبي انعكست كذلك في مؤشرات نوعية، تؤكد ثقة أصحاب الثروات ورجال الأعمال بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية التي توفرها الإمارة، مشيراً إلى أن عدد المركبات الفارهة المسجلة في دبي بلغ نحو 170 مركبة، بينما وصلت القيمة التراكمية للوحات الأرقام المميزة خلال السنوات الثلاث الماضية إلى نحو 1.7 مليار درهم، وهو ما يؤكد مكانة دبي وجهة عالمية مفضلة للعيش والاستثمار.

وتساءل الطاير: هل الحكومات قادرة على مواجهة هذه التحديات منفردة؟ مؤكداً أن الإجابة بوضوح هي «لا»، وأن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الحكومات من دور المشغِّل إلى دور المُمكّن والمنظم، مع تمكين القطاع الخاص من قيادة الابتكار ضمن شراكات واضحة الأهداف والمعايير، وهو ما أكدته مخرجات المنتدى الاقتصادي العالمي 2026، حول أهمية تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، خصوصاً في التكنولوجيا والاقتصاد الحضري.

وأشار إلى أن دبي هي مدينة تحويل التحديات إلى فرص، إذ تبنت هذا النهج مبكراً من خلال تطوير أُطر تشريعية وتنظيمية مرنة، من أبرزها قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي وفّر إطاراً تنظيمياً واضحاً، وسرّع اتخاذ القرار، وضمن أعلى معايير الحوكمة، بجانب دوره في تمكين القطاع الخاص.

وأضاف أن «قانون إنشاء هيئة الطرق والمواصلات أسهم في إتاحة التحول التجاري وإنشاء شركات متخصصة، وهو ما انعكس إيجاباً على تطوير الخدمات، ورفع كفاءة التشغيل، وتحسين خدمة المتعاملين».

وقال الطاير: «لدينا اليوم أربع شركات منبثقة من الهيئة بقيمة سوقية تقارب 80 مليار درهم، هي: سالك لإدارة التعرفة المرورية، وباركن لإدارة المواقف العامة، ومدى ميديا لإدارة المساحات الإعلانية الخارجية، وتاكسي دبي لتقديم خدمات مركبات الأجرة»، مؤكداً أن تلك الشركات أسهمت في تطوير بعض خدمات هيئة الطرق والمواصلات خلال الأعوام القليلة الماضية.

وأوضح أن دبي حرصت على بناء شراكات استراتيجية عالمية في مجالات التنقل الذكي والمستدام، لافتاً إلى أن اختيار الشركاء يكون وفق معايير دقيقة تشمل السلامة، والنضج التقني القابل للتوسع، والجاهزية التشغيلية، وحوكمة البيانات، والتكامل مع منظومة النقل.

واستعرض الطاير جانباً من قصص النجاح في قطاع الشراكات، قائلاً: «إن إنشاء شركة هلا تاكسي بالشراكة مع (كريم)، التي طوّرت إدارة طلب مركبات الأجرة، أسهم في تخفيض زمن الانتظار من 11 دقيقة إلى 3 دقائق، بما يُظهر الأثر المباشر للشراكة الفعّالة بين القطاعين العام والخاص».

وأكد أن التوسع المستمر في شبكة الطرق، مهما بلغ حجمه، لن يكون حلاً كافياً لمعالجة تحديات الازدحام، في ظل النمو المتسارع في أعداد المركبات، موضحاً أن معدل الزيادة السنوية في عدد المركبات المسجلة في دبي يبلغ نحو 10%، مقارنة بمعدلات تراوح بين 2 و3% على المستوى العالمي.

وأوضح أن هذه المعطيات تفرض ضرورة التركيز على إدارة الطلب على التنقل، من خلال توفير منظومة نقل جماعي حديثة ومريحة تشجّع السكان على التحول من استخدام المركبات الخاصة إلى وسائل النقل الجماعي الأكثر كفاءة واستدامة، مضيفاً أن الشراكات العالمية التي تقيمها دبي تنطلق من رؤية واضحة وسرعة في اتخاذ القرار ودعم مباشر من القيادة، وهو ما يدفع الشركات العالمية لاختيار دبي شريكاً مُفضّلاً لتجربة حلول التنقل المستقبلية وتطويرها.

وتناول الطاير العوامل الرئيسة التي أسهمت في تحويل رؤية دبي إلى واقع عملي، وحدد ثلاثة عوامل أسهمت في تحويل دبـي إلى نموذج عالمي، هي: الاستثمار المبكر قبل اكتمال الطلب، والتخطيط الاستباقي طويل المدى، فضلاً عن إقامة شراكات عالمية فاعلة.

وشدد على أن دبي لا تنتظر التكنولوجيا، بل تصنع البيئة التي تنجح فيها بفضل رؤية قيادتنا الواضحة، مؤكداً أن القمة العالمية للحكومات شكّلت ولاتزال منصة انطلاق لأهم المشاريع الاستراتيجية، وأن أبواب دبي مفتوحة أمام الشراكات العالمية والأفكار المبتكرة التي تعزز جودة الحياة.


سر نجاح دبي

أكد مطر الطاير أن دبي تبنت منهجية واضحة في الانتقال من المشاريع التجريبية إلى التوسع الفعلي، تقوم على مبدأ «التجربة ثم التنظيم ثم التشغيل»، مع وضع معايير صارمة تشمل الجاهزية التقنية والتنظيمية والتشغيلية، إلى جانب معايير السلامة. وأكد أن سر نجاح دبي في هذا المجال لم يكن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في وضوح القرار، مشيراً إلى أن الإمارة وضعت عام 2016 هدفاً استراتيجياً يتمثل في أن تكون 25% من إجمالي وسائل التنقل ذاتية القيادة بحلول عام 2030، لما لذلك من آثار اقتصادية وبيئية واجتماعية إيجابية، يأتي في مقدمتها تقليل الحوادث المرورية بنسبة تصل إلى 90%، وخفض التكاليف المرتبطة بالنقل، وتقليل الانبعاثات، وتحسين كفاءة استخدام الطرق. وأشار إلى أن استراتيجية الهيئة بشأن التنقُّل الذاتي قامت على أربعة مسارات متكاملة هي المركبات ذاتية القيادة، والحافلات ذاتية القيادة، والعبرة ذاتية القيادة، والتاكسي الجوي، مؤكداً أن نجاح المدن لا يقاس بعدد الاختبارات التي تجريها، بل بقدرتها على الانتقال إلى التشغيل الفعلي الآمن والقابل للتوسع، وهذا ما حققناه فـي دبي على أرض الواقع.

. 1.7 مليار درهم القيمة التراكمية للوحات الأرقام المميزة خلال السنوات الثلاث الماضية.

شاركها.
Exit mobile version