شهدت أروقة المحاكم خلال الفترة الماضية قضايا ارتبطت بمحتوى البثوث المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، عكست تحوّل الكلمات العابرة إلى وقائع قانونية مكتملة الأركان، في ظل ما تتيحه هذه المنصات من بث علني موثق يصل إلى ملايين المتابعين.

ونقل محامون لـ«الإمارات اليوم» وقائع اطلعوا عليها خلال عملهم، عكست تداعيات قانونية مترتبة على محتوى بثوث مباشرة، أقدم خلالها بعض صناع المحتوى ومشاهير التواصل الاجتماعي على توجيه أوصاف مسيئة بحق أشخاص أو جهات، ما انتهى إلى مساءلتهم قانونياً، باعتبار أن إطلاق مثل هذه الأوصاف على العلن يندرج ضمن جرائم التشهير، مؤكدين أن المزاح أو الغضب لا ينفيان قيام جريمة التشهير متى ثبت صدور العبارات.

وفي وقائع أخرى، واجه عدد من المشاهير بلاغات بعد استخدام أسلوب التلميح دون ذكر أسماء، عبر بثوث تضمنت إيحاءات تمس السمعة والشرف، حيث انتهت التحقيقات إلى أن عدم ذكر الاسم لا ينفي المسؤولية القانونية متى أمكن التعرف إلى الشخص المقصود من السياق العام للبث.

كما سُجلت قضايا تهديد وتحريض بحق «مشاهير» أطلقوا عبارات وعيد خلال بثوث مباشرة، تضمنت تهديداً بإيذاء الغير أو التحريض عليه، واعتبرت تلك العبارات خاضعة للمساءلة متى وجهت على العلن وأمام جمهور واسع.

وفي سياق مماثل، فتحت قضايا تشهير بحق مشاهير بثوا محتوى يذم أماكن أو جهات تجارية عقب زيارتها، حتى في الحالات التي لم يذكر فيها الاسم صراحة، متى ثبت أن المحتوى ألحق ضرراً بالسمعة أو النشاط التجاري.

وفي واحدة من القضايا التي نشرت «الإمارات اليوم» تفاصيلها سابقاً، قضت محكمة عجمان الاتحادية الابتدائية بحبس مستخدمة لتطبيق «تيك توك» من جنسية دولة عربية ستة أشهر، بعد إدانتها بتهمة السب، إثر بث مباشر وجهت خلاله ألفاظاً مسيئة لأحد الأشخاص خدشت اعتباره وسمعة عائلته.

وبيّنت المحكمة أن الواقعة ثابتة في حق المتهمة، استناداً إلى تفريغ مقطع فيديو محفوظ على وسيط إلكتروني، تضمن عبارات سب صريحة استمرت لمدة 45 ثانية، وتطابقت مع أقوال الشاكي، ما عزّز قناعة المحكمة بثبوت التهمة، وفقاً للمادة (427/3) من قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي.

وأشارت المحكمة إلى أن الأدلة المقدمة في الدعوى جاءت متساندة ومتكاملة، وأثبتت توافر جميع أركان جريمة السب، من حيث صراحة الألفاظ، وفحشها، وتوافر نية الإهانة، وارتكاب الفعل عبر تطبيق «تيك توك»، معتبرة أن إنكار المتهمة لا يعدو كونه محاولة للإفلات من العقاب.

وقضت المحكمة بحبس المتهمة ستة أشهر، وإلزامها بالرسوم القضائية، مع إحالة الدعوى المدنية، ثم الحكم بإبعادها عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة.

وفي السياق ذاته، أوضح مختصون قانونيون أن القضايا المرتبطة بالبثوث المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي باتت تستند بشكل رئيس إلى نصوص قانونية صريحة، نظراً لكون هذه البثوث موثقة ومسجلة، ويمكن الرجوع إليها كونها دليلاً رقمياً أمام جهات التحقيق والمحاكم.

وأكدت المحامية والمستشارة القانونية، فاطمة آل علي، أن قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي عالج هذه الأفعال بنصوص واضحة، مشيرة إلى أن المادة (427/3) من القانون تجرم توجيه الإهانات عبر وسائل الاتصال، وتعد توجيه ألفاظ تمس شرف الغير أو اعتباره، عبر أي وسيلة من وسائل الاتصال، جريمة مكتملة الأركان متى ثبت صدورها علناً.

وبيّنت أن الفعل المسند في مثل هذه القضايا يندرج صراحة تحت نطاق المادة (427/3)، متى تضمن سباً أو إهانة أو تشهيراً، مؤكدة أن المشرّع لم يربط قيام الجريمة بتوافر نية مسبقة، بل اكتفى بثبوت صدور الألفاظ المجرمة عبر وسيلة اتصال، وهو ما ينطبق على البثوث المباشرة في منصات التواصل الاجتماعي.

وأضافت آل علي أن كثيراً من صناع المحتوى والمشاهير يتحدثون خلال البثوث المباشرة بعفوية أو بدافع المزاح والتفاعل مع المتابعين، غير مدركين أن القانون لا يفرق بين المزاح والغضب متى تضمنت العبارات سباً أو تشهيراً أو تهديداً أو تحريضاً، لافتة إلى أن وصف شخص أو جهة بأوصاف يجرمها القانون، حتى دون قصد أو نية مسبقة، يعرض صاحبه للمساءلة القانونية متى ثبت صدور تلك العبارات على العلن وأمام الجمهور.

وأشارت إلى أن أكثر القضايا التي تحرك ضد المشاهير وصناع المحتوى تندرج تحت جرائم السب والإهانة والتشهير والتهديد والتحريض، إلى جانب قضايا تتعلق بالاستهزاء بالعادات والتقاليد، مؤكدة أن العلنية وعدد المشاهدات عنصران يؤخذ بهما عند تقدير جسامة الفعل وآثاره القانونية، باعتبار أن انتشار المحتوى يوسع نطاق الضرر.

من جانبها، قالت المحامية والمستشارة القانونية أميرة الصريدي، إن خطورة البثوث المباشرة تكمن في كونها محتوى موثقاً ومشاهداً على العلن من قبل مئات المتابعين، ما يجعلها خاضعة للمساءلة القانونية، وقد تفتح باب قضايا متعددة، من بينها التشهير وجرائم أمن المعلومات، متى تضمنت عبارات سب أو إهانة أو إساءة.

وأوضحت أن كثيراً من المشاهير يظهرون يومياً في بثوث مباشرة بدافع التفاعل أو الترفيه، من دون إدراك أن كلمة واحدة قد تُستخدم دليلاً ضدهم أمام الجهات المختصة، مؤكدة أن السب والإهانة والمزاح الثقيل كلها أفعال قابلة للتكييف القانوني، وتظل محل مساءلة إلى أن يثبت عكس مدلولها.

وأضافت الصريدي أن المتابعين لا يشكلون درعاً قانونية لصاحب البث، وأن البث المباشر أخطر من المنشور المكتوب، لأن الكلمات تُقال دون مراجعة أو تقدير للعواقب، وقد تُكلف صاحبها سمعته أو حريته أو مستقبله المهني.

وشدّدت على أن هذه الجرائم لا تقف آثارها عند حدود الشخص المعني فقط، بل تمتد لتؤثر في الأمن الاجتماعي، باعتبار أن المجتمع يشترك في العادات والتقاليد والمكان، ما يؤدي إلى خلق عداوات وخصومات بين الأفراد، سواء داخل الأسرة أو في بيئة العمل، ويسهم في زيادة البلاغات والقضايا المنظورة أمام مراكز الشرطة.

وأشارت إلى أن كثيراً من القيم الدينية والاجتماعية تدعو إلى الإصلاح ونبذ الخصومة، مؤكدة أن بعض البثوث المباشرة تسهم – حال إساءة استخدامها – في إثارة المشاحنات والعداوات، على خلاف الغاية التي يفترض أن تخدمها منصات التواصل الاجتماعي.

إلى ذلك، أوضحت المستشارة القانونية والمحامية، موزة مسعود، أن الدولة أرست منظومة تشريعية واضحة تحدد بصورة صريحة العقوبات المقررة لكل من يتجاوز حدود الأدب واللياقة في التعامل مع الآخرين، سواء بالقول أو الفعل، مؤكدة أن هذه النصوص لم تُسن عبثاً، بل جاءت لمواكبة التحولات المتسارعة في وسائل التواصل الاجتماعي وحماية الحقوق الشخصية والمجتمعية.

وبينت أن سهولة فتح البثوث المباشرة والتفاعل الفوري مع الجمهور لا تعني بأي حال غياب المساءلة القانونية، مشيرة إلى أن ثواني انفعال أو غضب قد تنتج محتوى يترتب عليه آثار قانونية جسيمة، خصوصاً عندما يبث على العلن ويصل إلى جمهور واسع، ما يضاعف من نطاق الضرر.

وأضافت مسعود أن كثيراً من المتورطين في هذا النوع من القضايا يفاجَؤون بتحريك بلاغات بحقهم، لاعتقادهم الخاطئ بأن الحديث العفوي أو غير المقصود لا يُسأل عنه قانوناً، مؤكدة أن المعيار القانوني يقوم على الفعل ذاته ومدى مخالفته النصوص، وليس على نية المتحدث أو دوافعه.

وأشارت إلى أن القوانين المعمول بها تمنح الجهات المختصة صلاحية اتخاذ الإجراءات اللازمة متى ثبت تجاوز حدود اللياقة أو المساس بحقوق الغير، لافتة إلى أن الالتزام بالقانون واحترام الآخرين يبقى السبيل الأضمن لتفادي الوقوع تحت طائلة المساءلة الجزائية.

وذكر المحامي والمستشار القانوني محمد العوامي المنصوري، إلى أن البثوث المباشرة حولت صانع المحتوى من متلقٍ للتفاعل إلى طرف مسؤول قانونياً عن كل كلمة تقال لحظة بلحظة، موضحاً أن الانتشار السريع لا يمنح حصانة، بل يضاعف نطاق المسؤولية، لأن المحتوى يُسجل ويُتداول فوراً ويخرج من دائرة السيطرة بمجرد بثه.

وأضاف أن الاعتماد على التفاعل أو الشعبية قد يخلق شعوراً زائفاً بالأمان، في حين أن الجهات المختصة تنظر إلى مضمون الكلام لا إلى عدد المتابعين، مؤكداً أن الخطورة في البث المباشر تكمن في غياب الفرصة للمراجعة أو التصحيح، ما يجعل أي لفظ غير محسوب قابلاً للاستخدام كدليل قانوني مكتمل.

وبيّن المنصوري أن كثيراً من القضايا تبدأ بعبارات عابرة، ثم تتطوّر إلى بلاغات رسمية بسبب العلنية وسهولة التوثيق، لافتاً إلى أن المسؤولية لا تسقط بحذف البث أو التراجع عنه لاحقاً، متى ثبت وقوع الفعل في حينه.

وقالت المحامية والمستشارة القانونية، سارة البقيشي، إن الإشكالية القانونية في كثير من قضايا البثوث المباشرة لا تكمن فقط في الألفاظ المستخدمة، بل في سوء تقدير المتحدث لأثر كلمته خارج سياقها الزمني والشخصي، موضحة أن ما يُقال في لحظة انفعال قد يعاد تداوله وتفسيره قانونياً بمعزل عن نية قائله.

وأضافت أن القانون ينظر إلى الأثر والنتيجة لا إلى الدافع، مشيرة إلى أن البث المباشر ينتج دليلاً قائماً بذاته يمكن فصله عن سياق الضحك أو التفاعل اللحظي، واستخدامه أمام جهات التحقيق والمحاكم متى توافرت أركان الجريمة.

وأوضحت البقيشي أن بعض مشاهير التواصل الاجتماعي يعتقدون أن حذف البث أو الاعتذار اللاحق ينهي المساءلة، في حين أن المسؤولية القانونية تثبت بمجرد وقوع الفعل على العلن، ولا تزول بزوال المقطع أو التراجع عنه، متى ثبت توثيقه أو تداوله.

وأكدت أن الوعي القانوني بات ضرورة ملحة لصناع المحتوى، لافتة إلى أن ضبط الخطاب في البثوث المباشرة لا يحمي الفرد فقط، بل يسهم في الحد من النزاعات والبلاغات التي تنشأ نتيجة كلمات قيلت بلا تقدير لعواقبها.

• حبس «تيك توكر» عربية بعد «بث مباشر» تضمن سباً وخدشاً للسمعة.

شاركها.