روى علماء مشاركون في القمة العالمية للحكومات 2026 لـ«الإمارات اليوم» كيف قادتهم أغرب تجاربهم المهنية إلى طرح أسئلة أعمق، وصياغة رؤى جديدة أسهمت في إعادة توجيه مسارات البحث العلمي والتكنولوجيا.

وأكدوا أن كثيراً من أعظم الاكتشافات لم تولد من المسارات المألوفة، بل انبثقت من تجارب أربكت العلماء أنفسهم، ودفعتهم إلى مراجعة المسلّمات العلمية الراسخة. فمن الفيزياء النظرية التي كسرت منطق الواقع الكلاسيكي، إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التي حققت نجاحاً ظاهرياً بينما أخفت قصوراً جوهرياً في الفهم، تكشف هذه التجارب كيف تحوّلت الدهشة العلمية إلى محرّك للتقدم والابتكار.

وتفصيلا، قال العالم الأمريكي جون هوبكروفت، الحائز على جائزة تورنغ لعام 1986:«تجلّت إحدى أغرب التجارب المهنية في اكتشاف أن النجاح الظاهري للتكنولوجيا قد يكون خادعاً، فقد أظهرت تجربة علمية متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي نموذجاً حقق دقة عالية لافتة في النتائج، لكنه في الواقع لم يكن يفهم المشكلة الحقيقية التي صُمم لمعالجتها، واعتمد بدلاً من ذلك على أنماط جانبية لا علاقة لها بجوهر المهمة».

وأضاف: «هذه التجربة شكّلت صدمة علمية، وأعادت التأكيد على أن الأرقام وحدها لا تكفي، وأن الفهم العميق لكيفية تعلّم الأنظمة الذكية لا يقل أهمية عن النتائج التي تحققها».

وفي رسالة مباشرة إلى الشباب، شدّد على أن مطاردة المال لا ينبغي أن تكون الهدف الأسمى في الحياة، محذراً من اختزال النجاح في العائد المادي، لأن السعادة والإنجاز لا يُشترَيان.

وأكد أن بناء المسار المهني يجب أن ينطلق من الشغف والاهتمام الحقيقي، لا من حسابات الربح السريع، مشيراً إلى أن كثيراً من العلماء الذين حققوا إنجازات كبرى لم يسيروا وفق خطط صارمة، بل اختاروا ما أثار فضولهم، ومضوا فيه، وتخلّوا عنه حين فقد معناه.

وخلص إلى أن الشغف، إلى جانب التعليم، يشكّلان المحرّك الأساسي للتقدم الإنساني، وأن العمل فيما يحبّه الإنسان يحوّل الجهد اليومي إلى رحلة اكتشاف، لا عبئاً مهنياً.

وقال العالم والباحث المصري في مجال الهندسة الإلكترونية، الحائز على جائزة اليونسكو-الفوزان الدولية لتشجيع العلماء الشباب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)” لعام 2023، الدكتور هشام عبد السلام عمران: «رسالتي للعالم وللشباب اليوم أن العلم لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لمواجهة تعقيدات الحاضر وصناعة المستقبل.

وأضاف: «الطريق العلمي ليس سهلاً ولا سريعاً، لكنه الطريق الأصدق والأكثر أثراً، أنصح الشباب بالتركيز على بناء معرفة حقيقية، وعدم الخوف من الفشل، لأنه جزء أساسي من رحلة البحث والابتكار، موضحاً أن العالم يحتاج اليوم إلى عقول تفكر بعمق، وتبتكر بمسؤولية، وتضع الإنسان في صميم التقدم العلمي».

وتوقّف راجيش جوباكومار عند تجربة «الشق المزدوج» بوصفها من أكثر التجارب العلمية غرابة وعمقاً في تاريخ الفيزياء، لما تكشفه من سلوك غير بديهي للجسيمات الكمومية، إذ يمكن للجسيم الواحد أن يوجد في حالات متراكبة ويمر عبر أكثر من مسار في الوقت ذاته.

وأوضح أن هذه التجربة شكّلت تحدياً جذرياً للفهم الكلاسيكي للواقع الفيزيائي، وفتحت الباب أمام أسئلة علمية عميقة حول طبيعة المادة والوجود، مؤكداً أنها تجسّد جوهر الفيزياء النظرية بوصفها علماً يعيد تعريف المسلّمات ويمهّد لتطبيقات علمية وتقنية مستقبلية واسعة الأثر.

وأكد جوباكومار أن العلم، ولا سيما الفيزياء النظرية، يشكّل حجر الأساس لبناء اقتصاد المعرفة ومجتمعات المستقبل، مشدداً على أن دعم البحث العلمي المتقدم ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات العالمية في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة والابتكار.

ودعا الشباب إلى الانخراط في العلوم الأساسية بدافع الفضول المعرفي والبحث العميق، وعدم التردد في خوض الأسئلة الصعبة وغير المألوفة، لأن التقدم العلمي الحقيقي يبدأ من التساؤل والتفكير خارج الأطر التقليدية.

وشدّد على أهمية تكامل الأدوار بين العلماء وصنّاع القرار، مؤكداً أن السياسات القائمة على المعرفة العلمية تخلق حلولاً مستدامة وتفتح آفاق تعاون دولي مثمر يخدم الإنسانية جمعاء.

ترى العالِمة الأرجنتينية في الفيزياء النظرية الدكتورة كارين هالبرغ أن من أكثر التجارب غرابة في مسيرتها البحثية تلك اللحظات التي تكشف فيها النماذج النظرية والظواهر الفيزيائية الدقيقة، عن سلوكيات غير متوقعة، تتحدى الفهم الفيزيائي التقليدي.

وتوضح أن بعض النتائج التي تظهر عبر الحسابات أو المحاكاة تفرض إعادة النظر في المسلّمات العلمية، مؤكدة أن هذه المفاجآت، رغم تعقيدها، تمثل جوهر العمل العلمي الحقيقي، إذ تفتح آفاقاً جديدة لفهم أعمق للطبيعة وتدفع البحث العلمي إلى تجاوز حدوده المعروفة.

تؤكد هالبرغ أن العلم والمعرفة يشكلان ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة، مشددة على أهمية انخراط الشباب في البحث العلمي بدافع الفضول والشغف، لا بحثاً عن المكاسب السريعة.

وترى أن التقدم العلمي لا يتحقق عبر الطرق السهلة أو النتائج المضمونة، بل من خلال الصبر وطرح الأسئلة الصعبة والعمل المستمر، داعية إلى الاستثمار في التعليم والعلوم الأساسية بوصفه الطريق الأضمن لدعم الابتكار وإحداث تغيير إيجابي طويل الأمد في المجتمعات.

أوضح ويتفيلد ديفي الحائز على جائزة تورنغ عام 2015 (أعلى جائزة في علوم الحاسوب)، أن أكثر الحوادث غرابة لم تكن هجومًا إلكترونيًا معقدًا، بل خللًا بسيطًا في تصميم نظام تشفير بدا آمنًا من الناحية النظرية.

وقال إن الخوارزميات كانت قوية، لكن سوء إدارة المفاتيح وافتراضات غير واقعية حول سلوك المستخدمين جعلت النظام هشًا. وأفاد بأن هذه الحادثة أكدت له أن الأمن الرقمي لا يعتمد على الرياضيات فقط، بل على كيفية تطبيقها في عالم مليء بالأخطاء البشرية.

شاركها.
Exit mobile version