أكد مختصون وأطباء نفسيون أن العنف اللفظي يُعدّ من أخطر أشكال العنف الأسري، لما يخلّفه من آثار نفسية وسلوكية عميقة وطويلة الأمد قد تفوق في خطورتها العنف الجسدي، محذرين الآباء والأمهات من الاستهانة بكلمات مثل «يا دب» و«غبي» و«روح اذلف» و«كسول» و«فاشل».

كما حذروا من عبارات تهاجم القيمة الجوهرية للطفل، مثل «ما منك فائدة»، إذ قد تتحول إلى معتقدات راسخة تلازمه مدى الحياة، وتؤثر في نظرته لذاته، وقدرته على التكيّف والنجاح.

وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن الأبحاث العلمية أظهرت أن العنف اللفظي المزمن قد يؤدي إلى تغيّرات بنيوية في الدماغ، مثل انخفاض حجم الجسم الثفني (حزمة كبيرة من الألياف العصبية تربط بين نصفَي الكرة المخية الأيمن والأيسر في الدماغ، لتسهيل التواصل وتبادل المعلومات بينهما، وهو ضروري لتنسيق الوظائف الحركية والمعرفية)، وزيادة نشاط اللوزة الدماغية (يتركز حول معالجة العواطف، خصوصاً الخوف والغضب، وتكوين الذكريات العاطفية، والاستجابة للتهديدات عبر إطلاق هرمونات التوتر)، مؤكدين أن الجهاز العصبي للأطفال يتشكل عبر التقليد والاكتساب، وأن اعتماد الصراخ والإهانة أسلوباً يومياً في التربية ينعكس مباشرة على الحالة النفسية والعصبية للطفل وسلوكياته المستقبلية.

وأضافوا أن الكلمات الجارحة المتكررة تُنشّط مراكز التهديد في الدماغ، ومع الوقت يبدأ الطفل بترسيخ صورة ذاتية سلبية، تقلل من الدافعية والقدرات المعرفية، مؤكدين أن السخرية والمقارنات بين الأبناء تُعدّ من أخطر أشكال العنف اللفظي.

وأشاروا إلى أن الطفل المُهان في البيت قد يتحول إلى ضحية للتنمر لضعف ثقته بنفسه، أو إلى متنمّر يُفرغ ما يتعرض له داخل المنزل على الآخرين، لافتين إلى أن الإهانة المنزلية تزرع مفهوماً خاطئاً عن العلاقات قائماً على القوة لا على الاحترام، وتفقد الطفل إحساسه بالأمان، لتتحول العلاقة الأسرية من علاقة احتواء إلى علاقة خوف أو صراع صامت.

وكشف مختصون وأطباء عن استقبال حالات متكررة للعنف اللفظي المزمن، حيث تظهر على الأطفال أعراض مثل القلق المزمن، والاكتئاب الخفي، وضعف الثقة بالنفس، وصعوبات التركيز، والخوف من الفشل أو الرفض، مؤكدين أن كثيراً من الأطفال يبدون هادئين ظاهرياً، بينما يعانون داخلياً ألماً نفسياً عميقاً، كما رصدوا حالات لرجال يعانون قلقاً مزمناً، واكتئاباً، وعلاقات غير مستقرة، ونقداً ذاتياً قاسياً، ومشاعر دائمة بالذنب أو عدم الاستحقاق، وأدركوا أن جذور معاناتهم تعود إلى أنماط نفسية تشكّلت في الطفولة.

وأكدت الاستشارية الأسرية، لمى الصفدي، أن العنف لا يمكن أن يكون أسلوب تربية فاعلاً، إذ أثبتت التجربة أن نتائجه سلبية ومؤذية على المديين القريب والبعيد.

وأوضحت أن الجهاز العصبي للطفل يتشكل من خلال التقليد والاكتساب، حيث يكتسب حالته النفسية والعصبية من البيئة المحيطة به، لافتة إلى أن الأم أو الأب اللذين يعتمدان الصراخ والعنف اللفظي في تعاملهما اليومي، ينعكس سلوكهما على أطفالهما، فيصبحون أكثر توتراً وعناداً وعدوانية.

وحذّرت من خطورة الألفاظ الجارحة، مؤكدة أن الكلمات تترسخ في اللاوعي، وتتحول مع الوقت إلى سلوكيات فعلية، موضحة أن تكرار وصف الطفل بألفاظ مثل «غبي» أو «كذاب» أو «حرامي» قد يدفعه لتبني هذه الصفات لاحقاً، معتبرة أن أثر الكلمة المؤذية قد يكون أعمق وأطول أمداً من الضرب.

وأشارت إلى أن الطفل يستمد شعوره بالأمان من البيئة الأسرية، وأن مشاهدة الأب وهو يُهين الأم تزرع لدى الطفل مفهوماً مشوهاً للعلاقات، ما قد يدفعه إما لممارسة التنمر على الآخرين أو للتحول إلى شخصية ضعيفة تتعرض للإيذاء مستقبلاً، مؤكدة أن «نموذج العلاقة بين الوالدين يلعب دوراً محورياً في تشكيل وعي الطفل واحترامه للآخرين».

وبيّنت أن «السخرية والمقارنات بين الأبناء تُعد من أخطر أشكال العنف اللفظي، لما تسببه من تفرقة عاطفية تؤدي إلى مشاعر الحقد أو الذل أو الانتقام بين الإخوة»، موضحة أن «هذه الجراح النفسية غالباً ما تظهر آثارها بوضوح لاحقاً، وتنعكس في شكل بعد أو قطيعة مع الوالدين».

وأكدت أن التربية القائمة على الصراخ والتهديد قد تُسكت الطفل مؤقتاً، لكنها تُنتج طفلاً عنيداً وعدائياً، يتحول في مرحلة المراهقة إلى شخصية أكثر تحدياً وعنفاً.

وحول البدائل التربوية، نصحت الآباء والأمهات بتجنب مناقشة المشكلات أثناء نوبات الغضب، مؤكدة أن الصراخ غالباً ما يكون وسيلة لتفريغ الضغط النفسي وليس لحل المشكلة، داعية إلى الابتعاد المؤقت عن الأطفال حتى تهدأ المشاعر، ثم مناقشة السلوك بهدوء وبأسلوب واعٍ يحفظ كرامة الطفل، ويعزز صحته النفسية.

وأشارت إلى أنها تتعامل يومياً مع حالات لأطفال يعانون آثار العنف اللفظي، مشيرة إلى أن «بعض الآباء والأمهات يمارسون هذا الأسلوب بدافع العادة، أو لكونه سلوكاً متوارثاً».

البيئة المدرسية

وأكدت الخبيرة التربوية والمستشارة الأسرية، الدكتورة أمينة الماجد، أن آثار العنف اللفظي على الطفل لا تقتصر على محيط الأسرة، بل تمتد بوضوح إلى البيئة المدرسية، حيث تظهر في صورة انسحاب اجتماعي، وضعف في الثقة بالنفس، وخوف من المشاركة داخل الصف، أو على النقيض في صورة سلوك عدواني ومشاغب يُستخدم كآلية دفاعية، وكلا النمطين يعكس ألماً نفسياً داخلياً يعانيه الطفل.

وقالت إن هناك ارتباطاً وثيقاً بين العنف النفسي المنزلي وضعف التحصيل الدراسي، موضحة أن «الطفل الذي يتعرض للصراخ أو الإهانة يعيش حالة من التوتر المستمر، تؤثر سلباً في تركيزه وذاكرته ودافعيته للتعلم»، مؤكدة أن «العقل المنشغل بالخوف لا يستطيع التعلم بفاعلية، ما ينعكس مباشرة على مستواه الأكاديمي».

وأضافت أنها صادفت حالات عديدة لأطفال انعكست الإساءة على علاقتهم بأمهاتهم في صورة فتور عاطفي، أو خوف وقلق دائمين، وأحياناً تعلق مرضي، حيث يفقد الطفل إحساسه بالأمان، وتتحول العلاقة من احتواء إلى خوف أو صراع صامت.

وأكدت أن المدرسة تمثل خط الدفاع الثاني بعد الأسرة، حيث يستطيع المعلم الواعي والأخصائي الاجتماعي والإدارة المدرسية رصد التغيرات السلوكية مبكراً، والتدخل قبل تفاقم الأثر النفسي على الطفل، مشيرة إلى علامات يمكن للمعلمين في المدارس ملاحظتها تدل على العنف اللفظي، وتشمل «التغير المفاجئ في السلوك أو المستوى الدراسي، والقلق الزائد أو البكاء المتكرر، والخوف من الخطأ، والانطواء الشديد أو العدوانية، إضافة إلى استخدام الطفل لألفاظ قاسية في وصف نفسه أو الآخرين».

وشددت على أن الرسائل التربوية المتناقضة بين البيت والمدرسة تُربك الطفل، بينما يوفر التعاون بينهما شعوراً بالأمان والاستمرارية والدعم.

ولفتت إلى أن استجابة الأطفال للعنف اللفظي قد تختلف بين الذكور والإناث، حيث يميل الذكور غالباً إلى التعبير السلوكي أو العدواني، بينما تميل الإناث إلى الكبت والقلق أو الانسحاب، مؤكدة أن الضرر النفسي موجود لدى الطرفين، وإن اختلفت طرق ظهوره.

مشكلات نفسية

وأفاد استشاري الطب النفسي، الدكتور منصور عساف، بأن الكلمات الجارحة المتكررة، مع الصراخ والانفعال، تُنشّط مراكز التهديد في الدماغ، وترفع هرمونات التوتر، وتؤثر سلباً في دوائر الثقة بالنفس والتعلم، ومع الوقت، يبدأ الطفل بترسيخ صورة ذاتية سلبية، تؤثر في الدافعية والقدرات المعرفية.

وقال إن العنف اللفظي المزمن قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد، منها اضطرابات القلق والاكتئاب، حتى في غياب أي أذى جسدي، وإن الإهانات المتكررة تعمل كرسائل داخلية دائمة، فيتعلّم الطفل تقييم نفسه من خلالها، ما يؤدي إلى تدنّي تقدير الذات، والشعور بعدم الكفاءة.

وأضاف أن أبرز الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتعرض للعنف اللفظي هي القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، واضطراب ما بعد الصدمة، ومشكلات السلوك، واضطرابات التعلّم والتركيز، مشيراً إلى أن التأثير يختلف حسب عمر الطفل، فالرضيع يتأثر بالتنظيم العاطفي والشعور بالأمان، والطفل يتأثر بتراجع الثقة بالنفس، والمراهق بالقلق والاكتئاب، وسلوكيات خطرة.

وحدد علامات عدة يعبّر بها الطفل عن هذا الأذى، وتشمل «انسحاباً اجتماعياً، وعدوانية، وتراجعاً دراسياً، وشكاوى جسدية متكررة، أو تغيّرات مفاجئة في المزاج».

كما حدد علامات تحذيرية يجب ألا تتجاهلها الأسرة، تشمل العزلة، وتغيّرات النوم والشهية، وانخفاض التحصيل الدراسي، ونوبات غضب غير مبررة، والحديث السلبي عن الذات، أو إيذاء النفس، مشيراً إلى أن كثيراً من الأطفال يبدون هادئين ظاهرياً، بينما يعانون داخلياً ألماً نفسياً عميقاً.

العلاج السلوكي

وقالت أخصائية الطب النفسي، الدكتورة ساميوكتا جایا، إن العديد من الأبحاث العلمية أظهر أن العنف اللفظي المزمن في الطفولة قد يؤدي إلى تغيّرات بنيوية في الدماغ، مثل انخفاض حجم الجسم الثفني، وزيادة نشاط اللوزة الدماغية، وقد ينعكس ذلك في زيادة القلق والاكتئاب، وعدم الاستقرار العاطفي، وفرط الحساسية للنقد في مراحل لاحقة من الحياة، مع آثار سلبية على الأداء الاجتماعي والمهني.

وأضافت أنه يمكن علاج الآثار النفسية لدى الطفل، حتى بعد مرور سنوات طويلة، من خلال العلاج السلوكي المعرفي، والقبول والالتزام، والعلاج المركّز على الصدمة، والعلاج الديناميكي النفسي لتخفيف الأثر بشكل ملحوظ، والمساعدة على إعادة بناء صورة الذات.

وأشارت إلى أن أخطر جملة قد يسمعها الطفل، وقد تلازمه مدى الحياة، هي التي تهاجم قيمته الجوهرية بشكل مطلق، مثل «ما منك فائدة» أو «كان الأفضل ألا تكون موجوداً»، إذ يمكن أن تتحوّل إلى معتقدات راسخة مدى الحياة.

وكشفت من خلال ممارستها الطبية عن حالات لرجال يعانون قلقاً مزمناً، واكتئاباً، وعلاقات غير مستقرة، ونقداً ذاتياً قاسياً، ومشاعر دائمة بالذنب أو عدم الاستحقاق، وغالباً ما يدركون أن جذور معاناتهم ليست حدثاً حديثاً، بل نمط نفسي تشكّل في الطفولة.

• 5 اضطرابات نفسية يسببها العنف اللفظي، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة وصعوبات التعلّم.

شاركها.
Exit mobile version