في الخامس من يناير عام 2006 بدأت دولة الإمارات فصلاً جديداً من الرؤية الاستراتيجية، والطموحات التي لا تعرف حدوداً، مع تولي صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رئاسة حكومة دولة الإمارات، حيث مثّلت هذه المحطة الوطنية نقطة انطلاق نحو مرحلة تاريخية جديدة من التنمية الشاملة بجوانبها كافة.
شكلت رؤية سموّه الاستباقية في صياغة المستقبل ومدرسته في القيادة، أساساً لتحولات نوعية، قاد من خلالها حكومة دولة الإمارات لوضع ركائز قوية، مكّنت الدولة من تجاوز المستحيل، وتحويل الطموح إلى واقع ملموس ومستدام عبر سياسات واستراتيجيات ومبادرات كان لها الأثر الفاعل في إحداث نقلات كبيرة في مختلف مجالات وقطاعات الاقتصاد والطاقة والصحة والتعليم والمجتمع والمرأة والشباب والرياضة والثقافة والبيئة والتكنولوجيا والفضاء.
وجسّدت هذه السياسات والاستراتيجيات الحكومية في مجملها نهجاً راسخاً، يضع الإنسان والارتقاء بجودة حياته ورفاهه أولوية مطلقة في جميع الأجندات والبرامج والمشروعات الحكومية، حيث استهدفت حكومة الإمارات من خلالها بناء منظومات متكاملة، تضمن الرفاه الأسري والمجتمعي، وتمكين المواطنين، وتوفير أفضل بيئة للعيش والعمل والازدهار، ما جعل تحسين جودة الحياة المعيار الحقيقي لنجاح هذه الرؤى الاستراتيجية.
وشكّل ترسيخ تنافسية اقتصاد الإمارات على المستوى العالمي أولوية قصوى في أجندة حكومة الإمارات، وتمحورت الجهود في هذا المجال حول التنوع، وتقليل الاعتماد على النفط، والاستثمار في قطاعات القيمة المضافة العالية، وارتكزت هذه الجهود على حزمة من الاستراتيجيات والسياسات الوطنية الجريئة، أطلقتها حكومة الإمارات من عام 2006 وحتى عام 2025، حيث تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الصادرات غير النفطية، والتي تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات والخدمات الإماراتية، وفتح أسواق جديدة لها، مدعومة بمبادرات طموحة، مثل تنمية الصادرات الإماراتية من خلال الانفتاح على أسواق عالمية جديدة عبر سلسلة من اتفاقات التجارة الثنائية واتفاقات الشراكة الاقتصادية الشاملة، ولتحفيز جذب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، تم تفعيل الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، كما تم تنظيم ورفع نسبة تملك المستثمر الأجنبي إلى 100% في عدد من القطاعات الاقتصادية، وهو قرار تاريخي عَزز من جاذبية البيئة الاستثمارية بشكل غير مسبوق، كما عززت الاستراتيجية الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر الخارج حضور الشركات الإماراتية على الساحة العالمية.
وشهد القطاع المالي تشريعات داعمة، منها البرنامج الوطني للشركات العائلية، وسياسة القطاع التعاوني في دولة الإمارات لتعزيز الحوكمة والاستدامة في هذا القطاع.
وامتدت حزمة السياسات لتشمل تعميق القاعدة الصناعية والتكنولوجية، من خلال سياسة الإمارات للصناعات المتقدمة، والتي تهدف إلى تطوير قطاع صناعي تنافسي قائم على التكنولوجيا والابتكار، بدعم من استراتيجية التنمية الصناعية 2030 وبرنامج القيمة الوطنية المضافة في الصناعة، والذي يُعزّز المحتوى المحلي، ويدعم الشركات الوطنية، ولضمان دعم المحركات الاقتصادية الجديدة وتمكين روّاد الأعمال، وضعت أجندة العمل الوطنية لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة 2021-2023 والحملة الوطنية لريادة الأعمال، كما أطلقت حكومة دولة الإمارات الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي 2031، لدعم هذا القطاع وإبراز تطور البنى التحتية الرقمية وخلق فرص اقتصادية جديدة للشركات الموجودة على أرض الدولة.
ولتعزيز مكانة الإمارات وجهةً عالميةً، تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنشيط السياحة 2031، والتي تعمل جنباً إلى جنب مع الميثاق الوطني للسياحة والبرنامج الوطني للسياحة البيئية، لرفع إسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات قياسية.
وإدراكاً للدور المحوري للطاقة والاستدامة في تحديد مستقبل الاقتصادات، أطلقت حكومة الإمارات على مدار العقدين الماضيين سلسلة من الاستراتيجيات طويلة الأجل التي تستهدف تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة، وتُعدّ استراتيجية الطاقة لدولة الإمارات 2050 الأبرز في هذا الإطار، حيث تهدف إلى مزيج طاقة، يجمع بين مصادر نظيفة وتقليدية بطريقة مستدامة، وتكاملت معها الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين، التي تضع الإمارات في صدارة إنتاج وتصدير الهيدروجين النظيف، وقوداً للمستقبل، كما تم اعتماد سياسة دولة الإمارات للاقتصاد الدائري، بهدف تقليل الهدر وزيادة كفاءة استخدام الموارد في الإنتاج والاستهلاك.
ولضمان الأمن المائي والغذائي، تم إطلاق استراتيجية الأمن المائي لدولة الإمارات 2036، بينما ركزت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي على زيادة الإنتاج المحلي، وتمكين استخدام التكنولوجيا المتقدمة في الزراعة، وفي مواجهة تحديات التغيّر المناخي، اعتمدت الدولة المسار الوطني للحياد المناخي 2050، بدعم من الخطة الوطنية للتغيّر المناخي 2017-2050، والسياسة العامة للبيئة للدولة والاستراتيجية الوطنية لجودة الهواء 2030، لترسيخ دور الإمارات كفاعل عالمي مسؤول في العمل المناخي، وتجسّد ذلك في استضافة مؤتمر COP28، كما تم اعتماد نظام العلامة الإماراتية للزراعة المستدامة، لدعم الإنتاج الغذائي المحلي الصديق للبيئة.
أدركت الإمارات مبكراً، بفضل رؤية قيادتها، أن مفاتيح التنمية تكمن في الاقتصاد الرقمي والقطاعات المستقبلية، وعملت حكومة دولة الإمارات، بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وفق خريطة طريق واضحة، لتحقيق الريادة في هذه التوجهات المستقبلية.
وتُعدّ استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، التي أطلقتها حكومة الإمارات، رائدة على المستوى العالمي، بهدف تعزيز الأداء الحكومي والقطاع الخاص باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتكاملاً معها، تم اعتماد السياسة الوطنية لجودة الحياة الرقمية التي تضمن بيئة رقمية آمنة وإيجابية للمجتمع، ورسخت الإمارات من خلال ذلك مكانتها قوةً عالميةً مؤثرةً ورائدةً في مجال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إذ نجحت في بناء بيئة رقمية محفزة ومبتكرة، مكّنتها من تحقيق قفزات نوعية في أداء القطاعين الحكومي والخاص، والارتقاء بجودة الحياة للمواطنين والمقيمين، وتُعدّ الإمارات اليوم مركزاً عالمياً لتطوير وتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي، ومساهماً فاعلاً في تشكيل مستقبل القطاع الرقمي على الخريطة الدولية، مقدمةً للعالم نموذجاً يُحتذى في الموازنة بين تبني التقنيات الحديثة وضمان إيجابية وأمان الفضاء الرقمي للمجتمع.
كما تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للفضاء لدولة الإمارات، التي تهدف إلى بناء قطاع فضائي مستدام ومزدهر، وفي غضون سنوات قليلة، تحولت برامج الفضاء الطموحة لدولة الإمارات إلى إنجازات تاريخية، أبرزها الوصول إلى كوكب المريخ عبر «مسبار الأمل»، ليصبح المشروع أول مهمة عربية تصل إلى الكوكب الأحمر، كما نجحت الدولة بإرسال أول رواد فضاء إماراتيين إلى محطة الفضاء الدولية، وأطلقت مهمات استكشافية متقدمة للقمر، وتُشكّل هذه الإنجازات دليلاً ساطعاً على الرؤية القيادية بعيدة المدى التي وضعت الاستثمار في الكفاءات الوطنية والبحث العلمي المتقدم في صدارة الأولويات، لتصبح الإمارات مساهماً رئيساً في دفع عجلة المعرفة الإنسانية.
ولمواكبة هذه التحولات العالمية في التكنولوجيا والعلوم المتقدمة، خضع قطاع التعليم في الإمارات لإعادة هيكلة شاملة، حيث أطلقت حكومة دولة الإمارات العديد من الاستراتيجيات والمبادرات في هذا المجال، منها إطلاق المدرسة الإماراتية التي تُعدّ منظومة تعليم متكاملة لغرس المهارات المستقبلية في الأجيال الجديدة.
ولدعم الطلاب على جميع المستويات، تم اعتماد استراتيجية البرنامج الوطني للمهارات المتقدمة، ونظام التعليم المستمر والتعليم عن بُعد، كما تم إطلاق صندوق زايد للبحث العلمي، وتم اعتماد الإطار الوطني لتصنيف مؤسسات التعليم العالي، لتشجيع البحث والتطوير وضمان جودة المخرجات التعليمية، كما شملت السياسات التعليمية جوانب حماية الطلبة، مثل السياسة الوطنية لحماية الطفل في المؤسسات التعليمية في الدولة.
ووضعت حكومة الإمارات الغاية الأسمى في كل أجنداتها وهي ضمان الرفاه وجودة الحياة للمواطنين والمقيمين، وبناء مجتمع متماسك يعتز بهويته الأصيلة وقادر على التفاعل مع التحولات العالمية، حيث أطلقت حكومة الإمارات في هذا الإطار الاستراتيجية الوطنية لجودة الحياة كإطار شامل لتعزيز الجانب النفسي والاجتماعي، كما أطلقت السياسة الوطنية للأسرة والاستراتيجية الوطنية للإسكان لتمكين الأسرة وتعزيز الاستقرار والحياة الكريمة للأسر الإماراتية، أما سياسات التوطين وبرنامج نافس، فتهدف إلى تمكين الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص كجزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة، فيما تم تعزيز دور المرأة عبر استراتيجية مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين 2022-2026، وسياسة تعزيز مشاركة المرأة الإماراتية في مجالات العلوم المتقدمة.
وشهد قطاع الصحة إطلاق العديد من السياسات، لضمان أعلى مستويات الرعاية الوقائية والعلاجية، حيث تم اعتماد السياسة الوطنية للدواء في الدولة لتعزيز الأمن الدوائي، والسياسة الوطنية لتعزيز الصحة النفسية كجزء من الرعاية الشاملة، كما ركزت الجهود على الوقاية عبر السياسة الوطنية لتعزيز أنماط الحياة في الدولة، والسياسة الوطنية لمكافحة الأمراض السارية، والسياسة الوطنية لمكافحة المخاطر الصحية في الدولة، كما تم التركيز على الكوادر الطبية عبر الاستراتيجية الوطنية لتعزيز مهنتي التمريض والقبالة.
وتجسيداً للنهج الشامل، شملت الرؤية توفير الدعم لمختلف الفئات الاجتماعية وكمثال على ذلك السياسة الوطنية لكبار المواطنين والسياسة الوطنية لتمكين أصحاب الهمم لدمجهم الفاعل في المجتمع، والخطة الاستراتيجية لتعزيز حقوق وتنمية الأطفال ذوي الإعاقة 2017-2021، كما تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة 2017-2021 لضمان أفضل بيئة لرعاية وتنمية أطفال الإمارات.
ونجحت حكومة الإمارات في تعزيز مكانة الدولة مركزاً إبداعياً، من خلال العديد من السياسات التي اعتمدتها في مجالات الثقافة والرياضة ودعم المواهب، حيث تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية، والتي تتكامل مع الأجندة الثقافية وسياسة دعم الموهوبين في القطاع الثقافي، وتم أيضاً اعتماد السياسة الوطنية للحفاظ على التراث المعماري الحديث لدولة الإمارات، بهدف المحافظة على الذاكرة العمرانية للدولة.
وتُعدّ استراتيجية استقطاب واستبقاء المواهب في دولة الإمارات عنصراً أساسياً، لضمان استمرار الريادة في مختلف المجالات، وفي المجال الرياضي، تم إطلاق استراتيجية الرياضة في الدولة 2032، بهدف بناء مجتمع صحي، وتعزيز الإنجاز الرياضي العالمي.
وشكّلت المبادرات والسياسات – التي أطلقتها حكومة دولة الإمارات بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ عام 2006 وحتى اليوم – رؤية شاملة قائمة على استشراف المستقبل واستباقه بخطط واستراتيجيات فاعلة، حيث لم تترك هذه الرؤية قطاعاً دون تطوير، لترسم هذه السياسات معاً مسار القفزات النوعية، التي انعكست مباشرة على جودة حياة المواطنين والمقيمين، وعززت تنافسية الدولة لتتصدر المؤشرات العالمية الحيوية، وجعلت من الإمارات مصدر إلهام ونموذجاً حياً لكيفية تحويل الرؤى إلى واقع ملموس ومستقبل أفضل وأكثر استدامة ورفاهية للجميع.
• ترسيخ تنافسية اقتصاد الإمارات على المستوى العالمي أولوية قصوى في أجندة حكومة الإمارات.
