من السجن إلى الشاشات، ومن الاستعراض الجسدي إلى الفضول العابر، ومن برامج إعلامية متواضعة محافظة إلى التحول لنظام المجموعات للظهور عبر وسائل التواصل، هكذا وُلد كثير من مشاهيرنا. ظاهرة صنعتها المصادفات أكثر مما صنعتها المؤسسات. لكننا لا نستطيع أن نحاكم المشهور وحده على إفلاس المحتوى، لأن المشكلة أعمق وتتمثل غالبا في غياب مشروع وطني يحوّل الشهرة إلى صناعة حقيقية. فهل آن الأوان لننتقل من “مشاهير الفلس والصدف” إلى “مشاهير الرسالة”؟ .

قبل كل شيء لنرى كيف ظهرت حركة المشاهير فمنذ بدايات القرن العشرين مع السينما والإذاعة، ثم التلفزيون، وصولًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وُلدت ظاهرة المشاهير بوصفها جزءًا من الصناعة الثقافية والاقتصاد الإبداعي. فلم يعد المشهور اليوم مجرد فنان أو رياضي، بل بات شخصية قادرة على صياغة اتجاهات الموضة، وتشكيل أنماط الاستهلاك، بل وحتى التأثير على المواقف السياسية. وتشير تقديرات Influencer Marketing Hub إلى أن حجم سوق المؤثرين عالميًا تجاوز 21 مليار دولار في عام 2023، وهو ما يؤكد أن الشهرة تحولت إلى صناعة كاملة، تتجاوز الفرد لتصبح اقتصادًا قائمًا بذاته.

وفي السعودية برزت ظاهرة “المشاهير” بسرعة مع اتساع المنصات الرقمية، غير أن الخطاب الشعبي أطلق على بعضهم لقب “مشاهير الفلس” في دلالة على ضعف القيمة الفكرية أو الجمالية لما يقدمونه. فالكثير اكتفى بإظهار تفاصيل يومية سطحية أو إثارة الجدل عبر محتوى بلا مضمون. ومع ذلك فإن هذا النقد يعكس في عمقه وعيًا متناميًا بأن الشهرة مسؤولية أخلاقية تتجاوز عدد المتابعين. لكن يظل من الصعب إنكار أن جزءًا من المحتوى المطروح يترك آثارًا سلبية بالغة، خاصة على المراهقين والشباب. أبرز هذه الآثار يتمثل في تعزيز قيم استهلاكية فارغة، تكريس معايير جمالية مشوّهة، إلهاء المجتمع عن قضاياه الحقيقية، وأحيانًا نشر سلوكيات لا تتماشى مع الأعراف الثقافية والقيمية. مثل هذه الممارسات تضعف الثقة بفكرة الشهرة نفسها، وتحوّل المؤثر إلى أسير أرقام المشاهدات بدلاً من قيمة ما يصنعه.

من هنا، أرى أن التعامل مع الظاهرة يتطلب رؤية تشغيلية جديدة، تُحوّل المشاهير إلى “أصول مجتمعية”، وتؤسس لما يمكن أن نسميه “مصانع وطنية للمشاهير”. هذه المصانع لا تنتج صورًا استهلاكية عابرة، بل تخرّج مواهب مدرّبة ومؤهلة، قادرة على حمل رسالة وطنية وثقافية. فالتجربة الكورية في صناعة الـK-pop خير مثال. فنجاح فرق مثل BTS لم يأت من قبيل الصدفة، بل عبر نظام تدريبي صارم وأكاديميات متخصصة مثل SM Institute، حيث يخضع المتدربون لسنوات من التأهيل في الغناء والرقص واللغة والسلوك العام. والنتيجة أن كوريا الجنوبية استطاعت تحويل نجومها إلى قوة ناعمة عالمية تدر مليارات الدولارات وتسوّق ثقافتها حول العالم.

وهنا يبرز سؤال محوري: كيف يمكن تطوير صناعة المشاهير في السعودية؟. وهو سؤال واسع، لكن الإجابة تكمن في استراتيجية وطنية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا التدريب والتأهيل عبر إنشاء معاهد وطنية للمحتوى الإبداعي والإعلام الرقمي تجمع بين المهارة الفنية والقيم الوطنية. ثانيًا التوجيه والشراكات عبر ربط المشاهير بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص ليكونوا واجهات لحملات وطنية في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والسياحة. وثالثًا تحفيز الجودة عبر السوق بوضع معايير أخلاقية للمحتوى وربط الإعلانات والفرص الاستثمارية بمستوى التزام المشهور بالقيمة الحقيقية المضافة.

وحتى نصل إلى استراتيجية وطنية لصناعة المشاهير، فلا بد من خطة واضحة للتعامل مع المحتوى غير الملائم، فالمسؤولية هنا جماعية. المجتمع مطالب بتعزيز البدائل الإيجابية بدلًا من الاكتفاء بثقافة “الإلغاء أو الحظر”. كما أن على المنصات الرقمية تطوير خوارزميات تحد من انتشار الإسفاف وتدعم الجودة. أما المشرّعون فمسؤوليتهم وضع أطر دقيقة لمحاسبة من يتجاوز القيم، وهو جوهر القضية. في المقابل، على المشاهير أن يدركوا أن ما يقدمونه لا يمثل ذواتهم وحدها، بل صورة وطن كامل أمام العالم.

بقي القول، إن الرهان اليوم في السعودية هو أن ننتقل من مرحلة “مشاهير الفلس والصدف” إلى “مشاهير القوة الناعمة”، وأن نُحوّل هذا القطاع إلى صناعة وطنية مدروسة، تُنتج لنا جيلًا من المؤثرين المدربين الذين يخدمون مجتمعهم، ويعبّرون عن ثقافتهم، ويصبحون أدوات فاعلة في التنمية وبناء صورة المملكة عالميًا. فالمشهور ليس قدَرًا عابرًا، بل يمكن أن يكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا إذا ما أُحسن تشغيله وتوجيهه.

ــ

صحفي وأكاديمي

شاركها.