في ثمانينيات القرن الماضي، وفي أمريكا الجنوبية، اتخذت دولة “تشيلي” خطوة تاريخية حين قررت تخصيص -أو خصخصة- التعليم بصورة مركزية وشاملة، في تجربة لم تسبقها إليها أي دولة في العالم. لقد أطلقت الحكومة نظام “القسائم التعليمية”: بدلا من أن تُشَغِّل الحكومةُ المدارس بنفسها وتصرف عليها، مَنَحَتْ كلَّ أسرة مخصصًا ماليًا عن كل طفل، وتَرَكَتْ للمواطنين حرية اختيار المدرسة الأنسب؛ فَضَخَّتْ الدولة في هذا النظام ما يقارب 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وصار تشغيل المدارس مسؤولية القطاعين الخاص وغير الربحي. لقد كان ذلك مسعى إستراتيجيا للتوسع وخلق تنوع واسع في الخيارات التعليمية المتاحة في البلاد.
تُعد تجربة “تشيلي” اليوم مرجعًا دوليًا لفهم كيفية تفاعل “منطق السوق” مع “حق التعليم”؛ فمن جهة، حققت هذه التجربة نتائج لافتة على مستوى الإتاحة والبنية التحتية؛ إذ قفزت نسبة الالتحاق بالتعليم الثانوي من نحو 50% إلى قرابة 90%، كما تصدرت “تشيلي” دول أمريكا اللاتينية في حجم استثمارات القطاع الخاص في المنشآت التعليمية. لقد أسهم هذا الحراك الرأسمالي بوضوح في تحسين جودة المرافق المدرسية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للنظام التعليمي، وخلق بيئة تنافسية جذبت رؤوس الأموال لتطوير الوسائل التعليمية المساعدة والتقنيات الحديثة.
ومن جهة أخرى، كشفت الأرقام عن تحديات عميقة في العدالة ونواتج التعلم؛ إذ اتسعت فجوة التحصيل الدراسي بين الطلاب من الأسر الغنية والفقيرة بمقدار يعادل تأخر الطالب الأقل دخلًا بنحو ثلاث سنوات دراسيّة كاملة، كما أظهرت البيانات أن المدارس الهادفة للربح حققت نواتج تعلم أقل مقارنة بالمدارس غير الربحية، وتفاقمت هذه الفجوات مع ممارسات انتقائية استقطبت مدارسُ من خلالها طلابًا من أسر يفوق دخلها المتوسط بنسبة 40%، مما أدى لتَرَكُّز المتعثرين في مدارس حكومية أقل جاذبية.
واليوم، تخلص “تشيلي” إلى أن التخصيص ليس خطأً في ذاته، بل هو خيار إستراتيجي يتوقف نجاحه على كيفية التطبيق؛ فآليات السوق قادرة على توسيع الإتاحة وتطوير البنية التحتية، لكنها لا تضمن العدالة الاجتماعية ولا الجودة التعلمية دون أن يكون هناك تشريع واعٍ وتنفيذ منضبط ورقابة مستمرة، ولو عاد الزمن بـ”تشيلي”، فمن المستبعد أن تتخلى عن التخصيص كمحرك للتنمية، ولكنها كانت ستبدأ به وهي أكثر إدراكاً لحدوده، واضعةً -منذ اللحظة الأولى- حماية الغاية التعليمية وبناء الإنسان فوق كل اعتبار مادي.