- شاعر ثقيف كان يُمني نفسه بأن يكون نبي آخر الزمان حتى سمع من قسيس نصراني ما يخالف ذلك فاضطرب واستكبر
- أبوسفيان يحكي رحلته مع أمية ولقائه علماء النصارى وشدة إيمانه بالبعث والحساب وقرب ظهور النبي المنتظر
- العالم النصراني وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثته وخصاله والعلامات الممهدة لإعلان رسالة الإسلام
- بعد غزوة بدر عزم أمية على إعلان إسلامه لكن مقتل كبار مشركي قريش جعله يرتد على عقبيه ويموت كافراً
ينبغي منا – ونحن نعيش أيام شهر رمضان المبارك – أن نذكر طرفا مما أحاط ببدء الدعوة الإسلامية من أمور، حين أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ الناس بأنه رسول هذه الأمة من عند الله عز وجل، وأنه ملزم بأن يصدع بما أمر به من ربه وذلك بأن يقوم بدعوة الناس – كل الناس – إلى عبادة الخالق عز وجل، ونبذ العبادات الباطلة الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمان، وكان أبرزها في مكة – حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم – عبادة الأصنام التي تعلق بها أبناء ذلك البلد الأمين، وأبوا أن يتحولوا عنها على الرغم من كل ما ساقه لهم النبي الكريم من الأدلة، وبين لهم حجم الخطأ الذي هم عليه من العبادة، لأن الدين عند الله الإسلام. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، ولا دين له. ومن جحد الدعوة الإسلامية نال عقوبة الجاحدين.
ولقد كانت البداية هي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشيرته التي ينتمي إليها قبل التوجه إلى غيرها، فجمع أفرادها وأبلغهم بما أرسل به تنفيذا لأمر رب العالمين الذي أوحى إليه، صلى الله عليه وسلم، قوله العزيز: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، (سورة الشعراء، الآية رقم 214).
كان إعلان الرسول الكريم لدعوته إلى الإسلام أمرا مذهلا للخلق في ذلك الوقت، ليس في مكة وحدها حيث قام بالإعلان، بل كان ذلك في كثير من الأماكن المحيطة بها. وانشغل كفار قريش بالدفاع عن أصنامهم بكل الطرق، رافضين التخلي عنها، مهما كلفهم الأمر، فقد ورثوا – بزعمهم – عبادتها عن آبائهم، وكان موقفهم هذا مستغربا، لأنهم استمعوا إلى عدد من أرباب الديانات الأخرى وهم يبلغون عن قرب ظهور نبي عربي يدعو إلى الدين الحنيف، ونبذ عبادة غير رب العالمين عز وجل، وأن النبي المبشر بهذا الدين سوف يأتي – لا محالة – وسوف يحطم الأصنام، ويدعو إلى الإسلام.
٭٭٭
ومع كثرة ما روي في هذا الشأن مما يمكن أن يستدل به على مظاهر بدء الدعوة الإسلامية، فإن ما حدث للشاعر أمية بن أبي الصلت أمر يستحق الذكر، فقد كان من شعراء تلك الفترة البارزين، وكان ينتمي إلى قبيلة ثقيف التي كانت تسكن الطائف وكان معروفا على نطاق واسع في جزيرة العرب، بشعره، وبكثرة أسفاره، وبعلاقاته الكثيرة المتشعبة مع عدد كبير من رجال القبائل العربية البارزين.
كانت كنيته: أبا الحكم، وله ديوان شعر مطبوع، نشرته دار صادر ببيروت في سنة 2013م.
جمعته رحلة الصيف القرشية بأبي سفيان والد سيدنا معاوية بن أبي سفيان، وروى لنا رفيق رحلته ما دار بينهما من أحداث ومن أحاديث كلها كانت ذات علاقة بما ذكرناه آنفا مما كان يدور على الألسنة في ذلك الوقت بشأن ظهور نبي آخر الزمان الذي أنبأت به الرسل من قبل، وجاءت الإشارة إليه في بعض الكتب السماوية، وصار أمره متوقعا، وبالذات عند أولي العلم من أتباع أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومما دل على ذلك مما له علاقة برحلة هذين الرجلين هو ما رواه المؤرخ الدمشقي الحافظ إبن كثير المتوفى سنة 774هـ (1372م) وذلك ضمن الجزء الأول من كتابه ص205. تقول الرواية على لسان أبي سفيان بن حرب:
«خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجارا إلى الشام فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرأه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيوتهم ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخرج ثوبين له اسودين فلبسهما، وقال لي هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله. قلت: لا إرب لي فيه والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به ولئن حدثني بما أكره لأجدن منه. قال فذهب، وخالفه شيخ من النصارى فدخل علي فقال ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت لست على دينه، قال وإن، فانك تسمع منه عجبا وتراه. ثم قال لي أثقفي أنت؟ قلت لا ولكن قرشي.. قال فما يمنعك من الشيخ، فوالله إنه ليحبكم ويوصي بكم. قال فخرج من عندنا ومكث أمية عندهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه فوالله ما نام ولا قام حتى اصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه ما يكلمنا ولا نكلمه.
(ساقطا: منهكا، غبوقه على صبوحه: لم يأكل غير الذي أكله في الصباح، انجدل: خر على فراشه، وطرح نفسه عليه. وهذا لفظ ينطق في لهجتنا: انجطل).
وواصل أبو سفيان حديثه قائلا:
«ثم قال: ألا نرحل. قلت وهل بك من رحيل؟ قال نعم. فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين ثم قال في الليلة الثالثة ألا نتحدث يا أبا سفيان؟ قلت وهل بك من حديث والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك، قال أما إن ذلك لشيء لست فيه، إنما ذلك لشيء وجلت منه من منقلبي، قلت: وهل لك من منقلب. قال: أي والله لأموتن ثم لأحيين قال قلت هل أنت قابل أمانتي؟ قال على ماذا؟ قلت على أنك لا تبعث ولا تحاسب قال فضحك ثم قال: والله يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخل فريق الجنة وفريق النار. قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك. قال لا علم لصاحبي بذلك لا في ولا في نفسه. قال فكنا في ذلك ليلتين يعجب مني واضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا واقمنا بها شهرين فارتحلنا حتى نزل قرية من قرى النصارى فلما رأوه جاءوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم فما جاء إلا بعد منتصف النهار فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاء بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه فوالله ما نام ولا قام وأصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا ولا نكلمه.
(قوله: لشيء لست فيه: معناه لشيء ليس في داخل نفسي أو جسمي، ولكنه شيء قد خفته ويقصد بالمنقلب البعث بعد الموت. ومنه قوله تعالى: في الذكر الحكيم (سورة الشعراء، الآية رقم:227): (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
واستمر حديث أبي سفيان، فقال: «ثم قال (يقصد ابن الصلت): «ألا نرحل؟ قلت له: بلى، فرحلنا ليالي، وهو يبث لي أحزانه»
ولكنه توقف لكي يلقي على أبي سفيان سؤالا بعيدا عن موضوع حديثهما. وكان يقصد بإثارة هذا الموضوع أمرا في نفسه قد خفي عن المخاطب، ومع ذلك فقد عبر عنه بكل وضوح بعد ذلك. وكان ما قاله يتعلق بأحد الرجال المرموقين في مكة، ولذا فقد قال لأبي سفيان: لا تذكر حديثي هذا حتى يأتي منه ما هو آت. وأضاف: «فإن الذي رأيت أصابني أني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء ثم قلت أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر؟ قال هو رجل من العرب قلت قد علمت انه من العرب فمن أي العرب هو؟ قال من أهل بيت تحجه العرب. قلت وفينا بيت تحجه العرب. قال هو من إخوانكم من قريش فأصابني والله شيء ما صابني مثله قط وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو أن أكون إياه. قلت فإذا كان ما كان فصفه لي. قال رجل شاب حين دخل في الكهولة. بدو امره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة أكثر جنده من الملائكة. قلت وآية ذلك؟ قال قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم عليه السلام ثمانين رجفة كلها فيها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا. قال امية: والذي حلفت به ان هذا لهكذا يا أبا سفيان إن قول النصراني حق.
وقد تبين من رواية أمية هذه أنه كان يتوقع نزول الوحي السماوي عليه، وأنه هو النبي المنتظر، حتى سمع من القسيس ما يخالف ذلك، فاضطرب. ولذلك لاحظ عليه أبو سفيان ما لاحظ.
ثم اقترح أمية على رفيقه المبيت، فباتا في انتظار قافلتهما التي لحقت بهما فيما بعد، وكانت مفاجأة كبيرة لهما أن علما من القادمين أمر هزة أرضية كبرى حدثت في الشام، وهي التي أشار إليها القسيس.
ثم استأنف أبو سفيان حديثه في اتجاه آخر فقال:
«فقدمنا مكة فقضيت ما كان معي ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر ثم قدمت مكة فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي ويسألون عن بضائعهم حتى جاءني محمد بن عبدالله وهند عندي تلاعب صبيانها فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقامي ولم يسألني عن بضاعته ثم قام. فقلت لهند: والله ان هذا ليعجني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته فقالت لي هند: أو ما علمت شأنه؟ فقلت وأنا فزع ما شأنه؟ قالت يزعم أنه رسول الله. فوقذتني وتذكرت قول النصراني فرجفت حتى قالت لي هند مالك؟ فانتبهت فقلت إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله انه ليقولن ذلك ويدعو إليه وأن له لصحابة على دينه. قلت هذا هو الباطل. قال وخرجت فبينما أنا اطوف بالبيت إذ بي قد لقيته فقلت له إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي فأبى علي وقال إذن لا آخذها. قلت فأرسل فخذها وأنا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي. فأرسل إلي بضاعته فأخذها واخذت منه ما كنت آخذ من غيره.
ولم يلبث أبو سفيان مدة حتى سافر إلى اليمن وهنا يقول:
«ثم قدمت الطائف، فنزلت على أمية بن أبي الصلت، فقال لي: يا أبا سفيان، ما تشاء، هل تذكر قول النصراني؟ فقلت: أذكره، وقد كان (يعني أن ما قاله قد تحقق)، فقال أمية: ومن؟ قلت: محمد بن عبدالله، قال: ابن عبدالمطلب؟ قلت: ابن عبدالمطلب، ثم قصصت عليه خبر هند، فقال: فالله يعلم؟ وأخذ يتصبب عرقا». ثم قال:
والله يا أبا سفيان لعله إن صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حي لأطلبن من الله عزّ وجلّ في نصرته عذرا.
ويواصل أبو سفيان حديثه:
«ومضيت إلى اليمن (مرة أخرى) فلم أنشب أن جاءني استهلاله (يقصد العلم ببدء نزول الرسالة عليه صلى الله عليه وسلم)، وأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبي الصلت بالطائف، فقلت له: يا أبا عثمان!! قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك، وسمعته، فقال: قد كان لعمري، قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ فقال: والله ما كنت لأومن برسول من غير الطائف أبدا».
٭٭٭
بقيت من حديثنا بضع نقاط لابد من ذكرها من أجل استكمال هذا الموضوع، وإجمالها كالآتي:
1- هند، هي هند بنت عتبة بن ربيعة وهي من أسرة رفيعة المستوى، وقد أسلمت وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أبوها من سادات قريش، وهي زوجة أبي سفيان بن حرب.
2- ثقيف، قبيلة عربية كبيرة ذات شوكة ومال تسكن في منطقة الطائف المعروفة حتى اليوم. ولم تسلم إلا بعد أن تعرضت لحرب من الله ورسوله، وقد جرى ذلك بعد كثرة اعتداءاتها على المسلمين. كان فيها بعد إسلامها عدد من الرجال البارزين ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي.
3- اتضح أن أمية بن أبي الصلت كان قد اطلع على ما كان يذكره رجال الدين النصارى عن قرب بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علموا ذلك بسبب بشارة سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام به كما ورد في القرآن الكريم بالآية رقم 6 من سورة الصف: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) وقد ورد ذلك في كتبهم.
ومن أجل ذلك فقد ظن أنه سوف يكون هو ذلك النبي، لكثرة ما كان مهتما بهذا الأمر متابعا له. ولكن الله سبحانه وتعالى أعلم بخلقه، وبمن هو منهم أجدر بهذه المهمة الخطيرة. وقد أكد سبحانه وتعالى هذا الأمر بقوله الكريم في الآية رقم 124 من سورة الأنعام: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون).
ولقد كان ما اطلع عليه أمية كافيا له حتى يتبع دعوة الإسلام التي جاء بها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فور سماعه به، ولكن الحسد قد أخذ بلبه وأبعده عن حظيرة الدين القيم، وذلك من ناحيتين، أولاهما شعوره بالحرمان من الرسالة، وثانيهما التعصب لقومه من بني ثقيف حيث لم يكن الرسول المنتظر منهم وكلا الأمرين لا يشفعان له في ترك الهدى، والبقاء في الضلال.
ومما لابد من ذكره هنا أن ما حدث من أمية هذا قد ورد ذكره في القرآن الكريم، فإن المسلمين يقرأون – إلى يومنا هذا – قوله تعالى في الآية رقم 175 من سورة الأعراف التي تشير إلى ما حدث منه، ونصها: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين).
4- جاء في كتاب: «البداية والنهاية» الذي أكثرنا من النقل عنه وعولنا عليه في موضوعنا هذا ذكر ما حدث عن أخت أمية بن أبي الصلت، واسمها: الفارعة، فقد أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، وسألها الرسول الكريم عن بعض أحوال أخيها فأخبرته، وسألها عن شعره، فروت له أبياتا منها قوله:
باتت همومي تسري طوارقها
اكف عيني والدمع سابقها
مما أتاني من اليقين ولم
أوت براة يقص ناطقها
أم من تلظى عليه واقدة
الـنار محيط بهم سرادقها
أم مسكن الجنة التي وعد
الأبرار مصفوفة نمارقها
لا يستوي المنزلان ثم ولا
الأعمال لا تستوي طرائقها
هما فريقان فرقة تدخل
الجنة حفت بهم حدائقها
وفرقة منهم وقد أدخلت
النار فساءتهم مرافقها
وصدها للشقاء عن طلب
الجنة دنيا الاله ما حقها
عبد دعا نفسه فعاتبها
يعلم أن الصبر رامقها
ما رغب النفس في الحياة وإن
تحيى قليلا فالموت لاحقها
يوشك من فر من منيته
يوما على غرة يواقفها
ان لم يمت عبطة تمت هرما
للموت كأس والمرء ذائقها
5- ومما ورد عن أمية هذا أنه انتقل – بعد ذلك – إلى البحرين وأقام بها ثماني سنين، ثم عاد إلى الطائف، وسأل أصحابه هناك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا:
«ما يقول محمد بن عبدالله؟ قالوا يزعم أنه نبي وهو الذي كنت تتمنى. قال: فخرج حتى قدم مكة فلقيه. فقال: يا ابن عبدالمطلب ما هذا الذي تقول؟ قال أقول: إني رسول الله وأن لا إله إلا هو قال: أريد أن أكلمك فعدني غدا. قال فموعدك غدا، قال فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي وتأتيني وحدك أو في جماعة من اصحابك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أي ذلك شئت، قال فإني آتيك في جماعة. فأت في جماعة قال فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكعبة. قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم انشد الشعر حتى إذا فرغ الشعر قال أجبني يا ابن عبدالمطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم. يس والقرآن الحكيم) حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه. قال فتبعته قريش يقولون ما تقول يا أمية قال أشهد أنه على الحق. فقالوا: هل تتبعه قال حتى انظر في أمره».
6- ولم يكتب الله له أن يسلم. فقد ورد عنه أنه ذهب إلى الشام بعد هذه الحادثة، وبقي هناك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ويذكر أنه عاد من هناك بعد غزوة بدر التي جرت في السنة الثانية للهجرة. وقد مر بموقع هذه الغزوة المشهورة في تاريخ الإسلام، وقال له قائل كان واقفا هناك:
– ماذا تريد يا أبا الصلت؟ قال: أريد محمدا، قال: وما تصنع؟ قال: أومن به وألقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: اتدري من في القليب؟ قال: لا، قال: فيه عتبة بن ربيعة وشبية بن ربيعة، وهما ابنا خالك. وعندما سمع هذا جدع أذن ناقته وقطع ذنبها واتجه إلى قليب بدر فقال قصيدة طويلة مطلعها:
ماذا ببدر فالعقنقل… من مرازبة جحاجح
وعاد إلى مكة ولم يسلم، ومات كافرا بعد ذلك.
7- أما أبو سفيان بن صخر بن حرب فقد أسلم بعد ذلك، ولكنه تأخر في إسلامه إلى عام الفتح في السنة الثامنة للهجرة. وقد حسن منه إسلامه، وشارك في معركة اليرموك، وكان فيها خطيبا يحث المجاهدين على الإقدام ومحاربة العدو.
توفي – رحمه الله – في السنة الثانية والثلاثين للهجرة، وكانت معركة اليرموك في سنة 15 للهجرة التي توافق سنة 636 للميلاد، وكانت وفاته في المدينة المنورة.
٭٭٭
هذا هو بعض ما حدث في تلك الفترة الحاسمة التي كانت الدنيا كلها تنتظر فيها بزوغ فجر الإسلام، وقد تم ذلك بحمد الله تعالى وما قدمناه إنما هو نموذج لما حدث في تلك الفترة من الزمان، وفي مقالاتنا هذه بيان لأوجه أخرى مما أشرنا إليه.