افتح النشرة الإخبارية لـ White House Watch مجانًا
دليلك لما تعنيه ولاية ترامب الثانية لواشنطن وقطاع الأعمال والعالم
إن سرعة وحجم وفظاعة واستمرار انحرافات إدارة ترامب عن القواعد القانونية والدستورية الراسخة خلال فترة ولايته الثانية كانت دراماتيكية للغاية لدرجة أنها تستحق التراجع والتقييم.
في غضون ساعات من تنصيبه في يناير/كانون الثاني 2025، أصدر دونالد ترامب عفوا عن مئات الأشخاص المدانين بارتكاب أعمال عنف سياسي ــ وهي السمة المميزة للأنظمة الاستبدادية الطموحة ــ وأظهر دعما ضمنيا للمقاومة العنيفة للنكسات الانتخابية. وبعد أيام، أزال الحماية القانونية عن موظفي الخدمة المدنية وأقال 17 مسؤولاً رقابيًا مكلفين بمعالجة الاحتيال والفساد. بحلول شهر مارس/آذار، كانت الإدارة في صراع مفتوح مع المحاكم، وشهد الصيف إطلاق الشرطة الرصاص المطاطي على المتظاهرين وإقالة رئيس وكالة إحصاءات العمل في أعقاب ضعف أرقام الوظائف، وفي هذا الشهر تم إجراء تحقيق جنائي في رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جاي باول وإطلاق النار على رينيه نيكول جود وأليكس بريتي من قبل عملاء الهجرة والجمارك.
ورغم أن تاريخ الولايات المتحدة لا يكاد يخلو من العنف السياسي أو سوء معاملة الجماعات المحرومة، فإن هذه الحملة الخاطفة على المواطنين الأميركيين ومؤسساتها، وطبقاً للعديد من التقديرات، والدستور نفسه يمكن اعتبارها أسرع حلقة من التآكل الديمقراطي والمدني في التاريخ الحديث للعالم المتقدم.
وبقياسه باستخدام معايير موضوعية تغطي عشرة مجالات بما في ذلك استخدام قوة الدولة ضد المدنيين، والملاحقة السياسية واستقلال القضاء والخدمة المدنية، أجد أن الانزلاق الأمريكي خلال فترة ولاية ترامب الثانية يبرز باعتباره الأسرع في التاريخ المعاصر. فهو يتجاوز المراحل الأولى من التراجع في عهد فلاديمير بوتين في روسيا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وفيكتور أوربان في المجر، حيث تكشفت خطوات مماثلة على مدى عدة سنوات.
وتسمح لنا مجموعة البيانات الناتجة التي تتكون من 139 حالة حيث تآكلت الديمقراطيات السابقة تدريجيا بالتفكير في سؤال بالغ الأهمية: هل تندفع الولايات المتحدة في ظل ولاية ترامب الثانية حتما نحو نفس الوجهة مثل هذه الحالات الأخرى؟
للإجابة على هذا فمن المفيد استكشاف كيف حدثت حلقات التراجع المختلفة. وعلى وجه التحديد، هل اتسمت في المقام الأول بإجراءات تنفيذية أحادية واستعراضات للقوة لمرة واحدة، أو تغييرات دائمة في السياسات والتشريعات بتيسير من مؤسسات ضعيفة أو مختارة؟
وهنا يظهر الفرق. وفي حالات روسيا وتركيا والمجر وفنزويلا، حدث التآكل عبر كلا القناتين. كان أمثال بوتين وأردوغان وأوربان وهوغو شافيز قادرين على تعزيز السلطة من خلال ممارسة سيطرة كبيرة على المحاكم ووسائل الإعلام والأنظمة الانتخابية والسياسية بالإضافة إلى الإجراءات التنفيذية المباشرة، مما أدى إلى تأمين ظروف مواتية دائمة لهم وبيئات معادية لخصومهم. وعلى النقيض من ذلك، في ولاية ترامب الثانية، اتخذت أغلب الإجراءات هيئة أعمال أو أحداث صادمة تتجاوز المؤسسات الفاسدة بشكل دائم.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من الفساد أو الوحشية أو التجاهل العرضي للقانون الذي ميزت الحكومة الأمريكية خلال فترة ولاية ترامب الثانية في منصبه، ولا للتستر على تنازل الكونجرس الأمريكي عن مسؤوليته عن منع تجاوزات الرئيس. بل إن الأمر هنا يشير إلى بصيص من الأمل بالنسبة للولايات المتحدة في حقيقة مفادها أن العديد من مؤسساتها وعملياتها تبدو أكثر مقاومة للاستيلاء على السلطة من تلك التي انهارت تحت الأقدام في أماكن أخرى.
ومن نقاط قوة أمريكا الأخرى نظامها الانتخابي. ولم تتح للناخبين في فنزويلا وروسيا الفرصة للتحقق من قوة الحكام المستبدين الطموحين إلا بعد فوات الأوان، في حين توفر الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة فرصة لتقليص سلطة الإدارة المارقة جزئيا على الأقل. ومع وجود مشهد إعلامي قوي ولامركزي يجعل تجاوزات إدارة ترامب واضحة ليراها الجميع، يبدو أن الناخبين الأمريكيين حريصون على اغتنام هذه الفرصة. في الواقع، من الممكن أن يكون أحد الأسباب التي جعلت ولاية ترامب الثانية سريعة وغاضبة هو أن الإدارة تعتقد أن أمامها عامين فقط للتحرك.
ومن المثير للقلق العميق أن ترامب وأتباعه تمكنوا من إحداث كل هذا الضرر في مثل هذا الوقت القصير، وقد كشفت أحداث العام الماضي عن مدى اعتماد الديمقراطية والحرية والحقوق المدنية في الولايات المتحدة على الأعراف أكثر من اعتمادها على القواعد. وربما يكون هناك ما هو أسوأ في المستقبل، ولكن لا ينبغي للأميركيين أن يفقدوا الأمل.
