تابع قناة عكاظ على الواتساب

في الاقتصاد لا تكمن المخاطر دائماً في القرارات الخاطئة، بل أحياناً في غياب القرار.

من هذا المنطلق يمكن قراءة قرار البنك المركزي السعودي (ساما) المتعلق بإدارة عقارات البنوك وشركات التمويل العقاري باعتباره تدخلاً في الوقت المناسب لإعادة ضبط مسار ظل يتراكم بصمت.

لسنوات شكّلت العقارات الناتجة عن التعثر الائتماني منطقة رمادية في ميزانيات البنوك. فهي ليست استثماراً معلناً ولا أصلاً تشغيلياً لكنها في الواقع تحمل كل مخاطر الاستثمار العقاري دون أن تخضع دائماً لانضباطه. هنا تحديداً يأتي قرار ساما ليضع حداً واضحاً لهذا الالتباس: البنوك ممولة.. لا مالكة عقارات.

إلزام الجهات الخاضعة بالإشراف بخطط سنوية لتصفية العقارات، وتقييد مدة الاحتفاظ بها ليس تشدداً تنظيمياً بقدر ما هو عودة إلى الأساسيات.

فالدور الطبيعي للبنك هو إدارة الائتمان والمخاطر لا إدارة الأصول العقارية طويلة الأجل. وكلما طال احتفاظ البنوك بهذه العقارات زادت احتمالية تحولها إلى استثمارات مقنّعة بما تحمله من مخاطر سوقية وتشغيلية لا تنسجم مع طبيعة العمل المصرفي.

الأهم في القرار ليس ما يمنعه، بل ما يفرضه من شفافية. حين تُجبر البنوك على الإفصاح، والتخطيط، وربط قراراتها بموافقة مجالس الإدارات، تنتقل إدارة المخاطر من الاجتهاد الفردي إلى الحوكمة المؤسسية.

هذا التحول هو ما يحتاجه القطاع المالي في مرحلة تتسارع فيها المتغيرات الاقتصادية.

أما على مستوى الاقتصاد الكلي فالرسالة أوضح: لا استقرار مالياً دون ضبط العلاقة بين التمويل والعقار. فالقطاع العقاري بطبيعته دوري، وإذا ما تداخل مع القطاع المصرفي دون ضوابط صارمة يصبح قناة محتملة لانتقال الأزمات. قرار ساما في هذا السياق ليس موجّهاً فقط للبنوك، بل هو صمام أمان للمنظومة الاقتصادية ككل.

قد يرى البعض أن القرار سيزيد الضغط على البنوك في المدى القصير، لكنه في المدى المتوسط والطويل يعزز جودة الأصول، ويحسّن موثوقية القوائم المالية، ويدعم توجيه السيولة نحو أنشطة أكثر إنتاجية.

وهو ما ينسجم مع طموح المملكة في بناء قطاع مالي قوي منضبط وقادر على دعم النمو المستدام.

يمكن القول إن قرار ساما لا يعالج العقار كأصل فقط، بل يعالج فلسفة إدارة المخاطر. في عالم الاقتصاد خطوة لا تقل أهمية عن أي إصلاح مالي أو تشريعي.

شاركها.