لم تعد الجملة الساخرة «فسر لي رؤياي يا جروك» مجرد طرفة ترمى في زحام المنصات، ولا باتت طلبات «شات جي بي تي فسر حلمي» نوعاً من المزاح الخفيف الذي يمر بلا أثر. شيئاً فشيئاً، تحولت هذه العبارات إلى طقوس يومية لدى البعض، يفتتحون بها أبواب صباحاتهم اليومية، ويختمون بها ليلهم، كأن الذكاء الاصطناعي، أصبح وسيطاً بين الإنسان ونومه، بين اللاوعي والمعرفة.

خلال الأشهر الماضية، تمددت الظاهرة بصمت، ثم انفجرت بعد أن تكاثر مستخدمون في إرسال أحلامهم إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما لو كانوا يضعون أسرارهم في يد مفسر للأحلام، ينتظرون منه بشغف ما يطمئنهم أو يفك لهم طلاسم تلك الأحلام. ومع الوقت، لم تعد هذه الأدوات مجرد منصات معرفية، بل تحولت لدى البعض إلى مرجع نفسي وروحي، تبنى عليه قرارات، وتعلق عليه مخاوف، ويستمد منه أمل غامض.

«عكاظ» رصدت حالات تجاوز فيها الاعتماد على التفسير الرقمي حدود الفضول، لتصل إلى ما يشبه الهوس: أشخاص يغيّرون خططهم اليومية بناء على (تأويل آلي)، وآخرون يقرأون في ردود الذكاء الاصطناعي إشارات قدرية، كأن المستقبل يمر عبر خوارزمية.

الفرق بين التفسير البشري والتقني

تقول (س. ع): إنها تلجأ إلى (جروك) بشكل شبه يومي لتفسير أحلامها، بدافع معرفة مآلات كل رؤيا تراها، وتؤكد (مريم. م) ثقتها الكاملة بتفسيرات الذكاء الاصطناعي، معتبرة أنه ثورة علمية طالت الطب والمعرفة، ومن الطبيعي -وفق رأيها- أن تمتد إلى تفسير الأحلام.

في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في مجالات متعددة، يسلط المفسر أبو أنس الضوء على الفروق الأساسية بين التفسير البشري والتقني، مشدداً على ضرورة المزج بين المعرفة الشرعية وفهم حالة الرائي للوصول إلى تفسير دقيق.

ويوضح أبو أنس أن بعض الرؤى ذات معانٍ واضحة لا تتطلب تفاصيل شخصية لفهمها، لكنه يشدد على أن معظم الأحلام بحاجة لمعرفة ظروف الرائي لفهمها بشكل صحيح: «في الغالب، تحتاج الرؤيا إلى تفاصيل شخصية أو معرفة حال الرائي».

ويشير أبو أنس إلى إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي كمصدر للمعلومات الرمزية، لكنه يحذر من الاعتماد الكامل عليه في التفسير، موضحاً أنه يستخدمه أحياناً كمراجع سريعة عند نسيان رمز معين:

«لا بأس بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي كمراجع معلوماتية للرموز، شرط ألا يُعتمد عليه وحده دون مراجعة مفسر، وأنا أستخدمه أحياناً للبحث عن رموز نسيتها سواء عبر الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث».

افتقار للأسس الشرعية والروحية

أوضح المفسر عبدالحكيم العقيل (أبو ريان) أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تفسير الأحلام أمر غير دقيق، لأنه يفتقر للأسس الشرعية والروحية التي تُعد ضرورية لفهم وتعبير الرؤى.

وشبّه العقيل الذكاء الاصطناعي بـ«كتاب يجمع معلومات»، موضحاً أنه قد يحتوي على معلومات صحيحة أو خاطئة، ويمتاز فقط بالسرعة والحداثة.

أما تفسير الإنسان المتمكن فيعتمد على الفراسة، والاستنباط، والإلهام، إضافة إلى الالتزام بالضوابط الشرعية، ما يجعل تفسيره أقرب للصواب وأكثر اتزاناً.

وعن استخدام (شات GPT) أو تطبيقات مشابهة، علّق العقيل قائلاً: «هذه الأدوات تجمع المعلومات من كتب أو مقالات فقط، دون مراعاة لحال الرائي، وهذا خطأ واضح لأن معرفة الظروف النفسية والاجتماعية جزء مهم من التفسير».

ويؤكد العقيل أن الخطأ في التفسير قد لا يكون مجرد سوء فهم، بل يتعداه إلى أثر نفسي أو قرارات مصيرية قد يتخذها الشخص نتيجة تفسير غير دقيق، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي تزيد فيه نسبة الخطأ مقارنة بالصواب، ولا يمكن الاعتماد عليه وحده.

استغلال «الترند» والدفع مقدماً

ولفت سعيد الشهراني إلى أن بعض مفسري الأحلام استغلوا تصاعد الاهتمام، وانتهجوا أسلوب (الترند)، رافعين لافتة «الدفع مقدماً» قبل أي تفسير.

وبين أحمد العتيبي أنه يدفع ما بين 30 و50 ريالاً مقابل تفسير الرؤيا الواحدة، وقد تصل في بعض الحالات إلى 100 ريال.

وتروي (نورة. م) أنها لجأت إلى أحد المفسرين لتفسير رؤيا مخيفة، لتدخل بعدها في دوامة قلق لم تنعم خلالها بالنوم لأيام، قبل أن تعيد تفسيرها لدى مفسر آخر مقابل 50 ريالاً، لتحصل هذه المرة على تفسير مختلف وأكثر طمأنينة المستقبل.

ويكشف آخرون أن بعض المهووسين بتفسير الأحلام يطرقون جميع الأبواب بحثاً عن تفسير يوافق مخاوفهم في ممارسات قد تسهم في إشعال شحناء أسرية، وترسيخ اعتقادات جازمة بوجود أقارب يضمرون الشر، استناداً إلى تفسيرات رقمية أو شخصية غير موثوقة.

سوء فهم لطبيعة التقنيات

أستاذ الحاسب والذكاء الاصطناعي الدكتور عبدالله باقاسه، قال: الانشغال بتفسير الأحلام والرؤى عبر الذكاء الاصطناعي مثل (شات جي بي تي) أو(جروك)، يعكس سوء فهم لطبيعة هذه التقنيات، فالذكاء الاصطناعي لا يملك علم الغيب، وليس له قدرة حقيقية على تفسير الرؤى، بل يعتمد على تحليل المدخلات النصية ومقارنتها بأنماط لغوية وبيانات سابقة، ثم يولّد ردوداً محتملة تبدو منطقية أو مقنعة».

وأضاف: «تصديق ما يقدمه الذكاء الاصطناعي في هذا الجانب قد يؤدي إلى أوهام أو استنتاجات خاطئة»، وعن آلية الرد على المدخلات وسرعة الاستجابة بيّن أن: هذه التطبيقات تعتمد على تحليل المدخلات النصية ومقارنتها بكمٍّ هائل من البيانات، ثم توليد رد سريع خلال ثوانٍ، وهي سرعة تقنية ناتجة عن المعالجة الحاسوبية لا عن إدراك أو فهم حقيقي، مؤكداً أنه يجب التعامل مع هذه الأدوات على أنها وسائل مساعدة معرفية أو لغوية فقط، لا مرجعاً لتفسير الأحلام أو استشراف المستقبل.

ضعف وعي واضطراب نفسي

قال الأخصائي النفسي دخيل البراق: «من الطبيعي أن يتفاعل العقل مع الأفكار والمشاعر والتجارب اليومية، حتى تنعكس على الأحلام، ومن هنا ينشأ التعلق بفك رموز الرؤى؛ لأن طبيعة النفس البشرية تميل إلى كشف الخفايا ومعرفة الغيبيات والتنبؤ بالمستقبل وكشف الطالع، حتى لدى من لا يؤمن بهذه الأمور». وأوضح أن تسارع التطور الإلكتروني وظهور وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي خلق هوساً بالتفسير من أي مصدر، فمجرد تلميح بسيط يجعل الشخص يتعلّق بالمفسّر، ومع علنية التفسير تنتقل العدوى للآخرين، فيبحثون في ذاكرتهم عن أحلام قريبة أو بعيدة.

ونوّه البراق إلى أنه في زمن الذكاء الاصطناعي سلّم كثير من الناس عقولهم للمفسرين ومدّعيهم من أجل الحصول على تفسير سريع، حتى تحولت الظاهرة إلى سلوك شائع، مؤكداً أن المشكلة تكمن في التصديق وبناء قرارات مصيرية على التفسير، لأن تسليم العقل بهذه الطريقة يعكس ضعف الوعي، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص يقعون في توهّم المواقف، فيربطونها بالأحلام ويفسّرونها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يوحي لهم بخطر قادم أو تحذير من شخص أو خسارة تجارة أو وقوع كوارث، ما يدفعهم لاتخاذ قرارات مصيرية وخطيرة، قد تصل إلى التفكك الأسري.

وتطرّق البراق إلى مدّعي التفسير الذين يسعون وراء زيادة المشاهدات وتحقيق (الترند) بهدف الكسب المادي، وجذب مشاعر المضطربين نفسياً واجتماعياً وصحياً ومادياً، وغالبية الداعمين لهم من الباحثين عن الاستقرار النفسي والاجتماعي والمادي والصحي، ممن تعرّضت حياتهم لاضطرابات أدخلتهم في دائرة الوسوسة، ما يجعلهم مستعدين لدفع المال مقابل تفسير حلم.

وأكد أن الإنسان الواعي لا ينبغي أن ينجرف خلف هذه الادعاءات، وأن يدرك أن غالب الأحلام أضغاث ناتجة عن تفاعلات ذهنية، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تحلل المدخلات، محذراً من أن الثقة المفرطة في هذه التفسيرات قد تقود إلى قرارات خاطئة يندم عليها الإنسان لاحقاً.

هوس غيّر مصادر المعرفة

المستشارة الأسرية الدكتورة دعاء زهران، قالت: إن التطور التقني وهوس البعض بتفسير أحلامهم بالذكاء الاصطناعي أدّيا إلى تغيّر مصادر المعرفة، من أهل العلم إلى أدوات رقمية، حتى أصبحت مرجعاً أولياً لدى البعض في الطب وتفسير الأحلام والمعلومات العامة، بل حتى في الاستشارات النفسية والقانونية.

وأضافت: «هذا الواقع أفرز جهلاً ملحوظاً وأشخاصاً متوحّدين على آرائهم الخاطئة؛ نتيجة الاعتماد على مصادر غير دقيقة». وأوضحت أن التطور التقني مفيد في مجالات عدة، لكنه لا يغني عن العقل البشري والتدخل الإنساني، فلا غنى عن طبيب مختص، ومفسر موثوق، ومعالج نفسي مؤهل. وأشارت إلى أن تسارع وتيرة الحياة دفع البعض للبحث عن المعلومة الأسهل والأقل كلفة، مؤكدة ضرورة تحرّي المصادر الموثوقة، وتجنب المتسلقين ومدّعي العلم.

خرافة وإضعاف للتفكير العقلاني

قال الأخصائي الاجتماعي الدكتور رشيد العتيبي: «السنوات الأخيرة شهدت انتشاراً ملحوظاً للجوء البعض إلى الذكاء الاصطناعي في تفسير الأحلام والرؤى، باعتباره وسيلة سريعة وسهلة، رغم أنه غير مهيأ لفهم الرموز الدينية أو الأبعاد النفسية، ورغم ضعف دقة هذه التفسيرات، إلا أن شريحة واسعة من المستخدمين، خصوصاً من النساء اللواتي يتواصلن يومياً مع مفسري الأحلام، يتعاملن معها على أنها حقائق».

وحذّر من أن هذا التعلّق يعزز الأوهام ويزيد القلق، وقد يدفع لاتخاذ قرارات مصيرية في العمل أو العلاقات بناءً على تأويلات غير علمية، فضلاً عن نشر ثقافة الخرافة وإضعاف التفكير العقلاني.

وأكد العتيبي أن ذلك يجعل الأفراد عرضة للاستغلال الاجتماعي، وقد ينعكس سلباً على الاستقرار الأسري عندما تُفسّر الأحلام على أنها رسائل تتعلق بالزواج أو الطلاق أو مستقبل الأبناء، ما يخلق توتراً غير واقعي. وشدّد على أهمية التمييز بين الرؤيا وحديث النفس، وعدم اتخاذ أي قرار مصيري بناءً على تفسيرات رقمية غير موثوقة.

تتبُّع سنة الرسول والصحابة

وأوضح المفسّر عبدالعزيز الروقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى الفجر سأل الصحابة: «هل رأى أحد منكم رؤيا اليوم؟»، فكانوا يعرضون رؤاهم عليه، وقال لأبي بكر -رضي الله عنه-: «عبّرها يا أبا بكر»، فعبّرها الصديق، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أصبت في أمر وأخطأت في أمر». وبيّن الروقي أن أبا بكر الصديق كان الوحيد الذي يعبّر الرؤى آنذاك، محذراً من أن كثرة الفتن في هذا الزمان تستوجب أخذ الرؤى من أهل العلم بها.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يقدّم تفسيرات متشابهة، قد يلتبس بعضها على الناس، مطالباً بالحذر منها. وأضاف: النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من رأى منكم خيراً فليخبر به، ومن رأى شراً فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم»، مؤكداً أهمية البحث عن مفسرين مشهود لهم بالعلم والحصافة، يعبرون الرؤى على المحمل الطيب، مستشهداً بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الرؤيا على جناح طائر إذا فُسّرت وقعت»، داعياً المفسرين إلى تبشير الناس بالخير، كما أن هناك سيلاً من الاستفسارات التي ليست رؤى حقيقية وإنما أحاديث نفس أو كما يعرف بأضغاث أحلام.

تأثر سلوك الأسرة

الإعلامية نوف الرويسان ذكرت أنه مع التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، امتد ليؤثر في سلوك الفرد واستقرار الأسرة، وهنا يبرز دور الإعلام كخط الدفاع الأول في توعية المجتمع بالممارسات الخاطئة، من انتهاك الخصوصية إلى الاحتيال الرقمي والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية.

وأضافت الرويسان أن الإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض منجزات الذكاء الاصطناعي، بل يسلط الضوء على مخاطره، ويعزز مفاهيم الاستخدام الآمن والأخلاقي، خصوصاً داخل البيوت وبين فئة الشباب، فبقدر ما ينجح الإعلام في تبسيط هذه القضايا وطرحها بوعي، يسهم في حماية المجتمع وتقليل الأثر السلبي لهذه التقنيات، وتحقيق التوازن بين التطور التقني والقيم الإنسانية.

شاركها.
Exit mobile version