تابع قناة عكاظ على الواتساب
لم يكن اليمن يوماً ساحة لاستعراض القوة، ولا التحالف غطاءً لمشاريع جانبية، ولا التدخل السعودي بحثاً عن نفوذ أو مجد إقليمي. دخلت المملكة العربية السعودية اليمن لأنها دولة جوار تدرك أن الفوضى لا تُدار بالبيانات، وأن انهيار الشرعية في دولة على حدودها لا يمكن احتواؤه لاحقاً مهما طال الزمن. فترك اليمن يتفكك كان يعني تهديداً مباشراً لأمن المملكة وأمنها، وفتح المجال أمام السلاح والطموح السياسي والمشاريع العابرة للحدود تعيد رسم المشهد خارج إرادة اليمنيين أنفسهم.
فمنذ البداية، كان القرار السعودي واضحاً ومعلناً: حماية الأمن القومي للمملكة لا ينفصل عن حماية اليمن، ولا تُبنى على حساب شعبه أو وحدته أو شرعيته. فلم تتعامل المملكة مع اليمن كملف نفوذ، بل كمسؤولية سياسية وأمنية وإنسانية، حملت عبئها الأكبر، وقادت تحالفاً هدفه الاستقرار لا إعادة توزيع الأدوار. فقد كان ولا يزال الرهان السعودي منذ اليوم الأول أن استقرار اليمن هو الطريق الأقصر لحماية المنطقة، وأن أي حل لا يمر عبر الدولة اليمنية لن ينتج إلا فوضى مؤجلة.
وفي هذا الإطار، لم يكن التحالف السعودي مجرد تنسيق عسكري عابر، بل التزام سياسي وأخلاقي بقواعد واضحة: دعم الشرعية، حماية مؤسسات الدولة، ومنع تفكك الساحة إلى كيانات مسلحة متنازعة. وكان الهدف إنهاء الفوضى لا إدارتها، وتجفيف منابع السلاح لا إعادة توجيهها، وبناء مسار سياسي قابل للحياة، لا فرض وقائع ميدانية تُعقّد أي تسوية لاحقة.
غير أن التحالفات، حين تنحرف عن غاياتها، تصبح أكثر خطورة من الخصوم أنفسهم. فالخلل الحقيقي لا يبدأ عند اختلاف الرؤى، بل عندما تُدار هذه الاختلافات خارج قنوات التنسيق، وبأدوات ميدانية تُفرض كأمر واقع. عندها لا يعود الأمر تباين تقدير أو اختلاف أولويات، بل مساراً يربك الهدف الذي قام عليه التحالف من الأساس، ويضع الدولة القائدة أمام معادلات لم تختارها.
وهنا تحديداً ارتفع الخلاف من كونه سياسياً قابلاً للإدارة إلى وقائع ميدانية صلبة. فحين تنتقل الاختلافات من غرف التنسيق إلى مسارات الإمداد، وحين يُضخ السلاح والتمكين لفصيل بعينه خارج إطار الدولة، فإن هذا الأمر لا يعود مجرد تباين في القراءة، بل تدخلاً مباشراً في معادلة الأمن. والأخطر أن بعض هذه التحركات جرت عبر قنوات لوجستية معروفة، وبعيداً عن أي تنسيق معلن داخل التحالف، بما أسّس لقدرة عسكرية مستقلة داخل ساحة يُفترض أنها تُدار بمنطق الشراكة لا بمنطق الوكالات.
وبذلك، فلم تعد المغامرة السياسية شأناً يمنياً داخلياً، ولا خلافاً عابراً بين حلفاء، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لمعادلة الردع والاستقرار التي قامت عليها الشراكة منذ بدايتها. فالسلاح، حين يُسلَّم خارج الدولة، لا يبقى أداة ضغط سياسية، بل يتحوّل إلى عامل فوضى مفتوحة، أول من يدفع ثمنها دولة الجوار التي تتحمّل كلفة الأمن وحدها، وتواجه ارتدادات أي انفلات ميداني بلا وسيط.
هنا تتباين الحسابات بوضوح. فدولة قد ترى في بعض الساحات مجالاً لترتيب نفوذ أو إدارة مصالح مرحلية، بينما ترى السعودية في الساحة ذاتها خط تماس مباشر مع أمنها الوطني. ما يراه طرف آخر خطوة صغيرة أو مراوغة ميدانية، تراه السعودية خطراً طويل المدى، لأنها دولة حدودها مفتوحة على الحدث ولا تستطيع المجازفة أو القبول بحلول غير واضحة.
لذلك، لم يكن الموقف السعودي رداً متسرعاً، ولا تصعيداً غير محسوب العواقب، بل إعادة ضبط لبوصلة التحالف عند لحظة مفصلية. فحين يُمس أمن المملكة، تسقط كل الحسابات الأخرى، لأن هذا الأمن ليس بنداً تفاوضياً داخل أي شراكة، ولا ملفاً قابلاً المساومة. فالتحالفات تُبنى لرعاية أمن الدول، لا لاختباره، وتُدار لحماية الاستقرار، لا لإعادة تعريفه وفق حسابات ضيقة.
والأهم، أن هذا الموقف لا ينطلق من قطيعة، ولا من إنكار لعمق العلاقات، ولا من تجاهل لتعقيدات المشهد الإقليمي. لكنه ينطلق من قاعدة سيادية بسيطة: لا شراكة يمكن أن تستقيم إذا طُلب من دولة أن تتعايش مع تهديد أمنها باسم التنسيق، ولا تحالف ينجح إذا خرج عن غايته الأولى وتحول إلى ساحة فرض وقائع.
في النهاية، لا تتحدث المملكة هنا من موقع الانفعال، بل من موقع المسؤولية. مسؤولية تجاه أمنها الوطني، وتجاه اليمن، وتجاه فكرة التحالف نفسها. فالدول التي تقود تحالفات لا تقايض أمنها، والدول التي تحترم شركاءها لا تفرض عليهم مسارات ميدانية خارج إطار التفاهم.
تلك هي القاعدة التي لا تحتمل التأويل ولا تقبل الاجتهاد: حين يُمس أمن المملكة، تسقط كل الحسابات الأخرى.
