تابع قناة عكاظ على الواتساب

في السنوات الأخيرة بدأت ظاهرة مقلقة تظهر داخل بعض البيوت، حيث يتجه بعض الآباء – بقصد أو بغير قصد – إلى تضخيم الأنا لدى أبنائهم، إمّا عبر المعتقدات، أو الانتماءات القبلية، أو اللون والعِرق، أو أي تصوّر يجعل الطفل يشعر بأنه أعلى من غيره. ويظن الأب أن هذا الأسلوب يبني الثقة ويقوّي شخصية الابن، بينما هو في الحقيقة يصنع صورة منتفخة لا علاقة لها بالواقع، وصراعاً داخلياً لا تظهر آثاره إلا عندما يكبر الطفل ويواجه الحياة بوجهه الحقيقي.

فالطفل الذي يُربّى على أنه «الأفضل»، أو «الأعلى»، أو «المميّز على الآخرين» ينشأ وهو يحمل صورة مُضخّمة عن ذاته، وعندما تأتي لحظة الاحتكاك بالمجتمع، يكتشف أن العالم لا يراه كما رآه أهله، ولا يعترف بالألقاب والامتدادات الوراثية بقدر ما يعترف بالقدرة والجدّ والاجتهاد. في تلك اللحظة تحديداً يبدأ التمزق الداخلي: صورة منحها له الأب، وصورة تصنعها له التجربة، فيجد نفسه يعيش بينهما حائراً، يفعل ما يكره ويترك ما يحب، فقط ليحافظ على هوية لم يخترها لنفسه، بل صُنعت له مسبقاً.

إن تضخيم الأنا لا ينتج شخصيات قوية، بل شخصيات هشّة تحتاج إلى تصديق الآخرين باستمرار، وتشعر بالتهديد من أي نقد أو مقارنة، وتعيش قلقاً دائماً خشية سقوط الصورة المصطنعة. وما يحتاجه الأبناء ليس مبالغات تُشعرهم بأنهم فوق الناس، بل تربية على التواضع، وعلى أن قيمة الإنسان تُبنى بما يقدّمه هو، لا بما وُلد عليه. يحتاجون لدعم صادق يغرس فيهم الثقة الحقيقية، لا الثقة القائمة على الوهم، ولمساحات تتيح لهم معرفة ما يريدونه هم، لا ما يريد أن يراه المجتمع أو الأسرة فيهم.

فالأبناء لا يكبرون بالمديح الزائد، بل يكبرون حين يتعلمون أن الإنسان قيمة بعمله، وأخلاقه، واجتهاده. وكل تضخيم للأنا قد يبدو في ظاهره دعماً، لكنه في عمقه يحمل بذور صراع طويل. وما أحوجنا اليوم إلى تربية تحفظ أبناءنا من غرور ينهار سريعاً، وتمنحهم ثباتاً يبقى طويلاً.

شاركها.