لم يكن إعلان إسرائيل استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي من قطاع غزة، حدثاً منفصلاً عن اتفاق وقف الحرب، بل شكل اختباراً سياسياً مباشراً لإمكانية الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية.
فالخطوة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه حسابات حكومة بنيامين نتنياهو مع حدود الضغط الأمريكي، ومحاولات إسرائيلية متواصلة لإعادة تعريف الاتفاق من مسار ملزم إلى إطار قابل للتأجيل وإعادة التفسير.
تثبيت موقع نتنياهو
منذ اللحظة الأولى، تعامل نتنياهو مع الحدث بوصفه أداة سياسية لا استحقاقاً تفاوضياً؛ فقد جرى تقديم استعادة الجثة كـ«إنجاز أمني» في محاولة لفصلها عن سياق الاتفاق، وإدراجها ضمن سردية تحقيق أهداف الحرب. هذا الخطاب لم يكن موجهاً للخارج بقدر ما كان رسالة تهدف إلى تثبيت موقع نتنياهو داخل ائتلافه اليميني، والتأكيد أن الحكومة لا تنتقل بين مراحل الاتفاق استجابةً لضغوط أمريكية، بل وفقاً لحساباتها الخاصة.
غير أن المعطيات تؤكد أن ملف الجثة لم يكن العقبة الفعلية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية؛ لأن معلومات أساسية حول مكانها كانت متوافرة منذ أسابيع، ما يعني أن تأخير الاستعادة ارتبط بحسابات سياسية، وتحديداً بملف معبر رفح. وعليه، استخدم الملف كورقة تعطيل مؤقتة قبل الانتقال إلى ذرائع أكثر اتساعاً وتعقيداً.
مساومة وتفاوض مفتوح
يتضح ذلك في الكيفية التي أُعلن فيها عن فتح معبر رفح لاحقاً، حيث جرى توصيف الخطوة بأنها فتح «محدود» وتحت «آلية إشراف إسرائيلية كاملة». وبدلاً من تنفيذ واضح لبنود المرحلة الأولى، كما نص عليها اتفاق وقف الحرب، جرى تفريغ الاستحقاق من مضمونه وتحويل فتح المعبر إلى إجراء مشروط يعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة مختلفة.
في جوهرها، تنظر حكومة نتنياهو إلى الاتفاق باعتباره مساحة تفاوض مفتوحة لا مساراً مرحلياً ملزماً. فالمرحلة الثانية، وفق هذه الرؤية، لا تبدأ تلقائياً بانتهاء الأولى، بل تخضع لإعادة تقييم سياسية وأمنية. ومن هذا المنطلق، جاء الدفع السريع نحو إدخال ملفات جديدة إلى جدول الأعمال؛ وفي مقدمتها نزع سلاح حماس، وربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية طويلة الأمد، بما يحول المرحلة الثانية إلى ساحة مساومة لا إلى استحقاق تنفيذي.
على الجانب الأمريكي، يبدو الموقف متردداً بين الضغط والاحتواء، فقد مارست واشنطن ضغوطاً واضحة لدفع إسرائيل إلى استعادة الجثة وفتح معبر رفح، لكنها في الوقت نفسه قبلت بصيغة لا تتوافق مع نصوص الاتفاق ولا تحقق أهدافه العملية، الأمر الذي يعكس سياسة أمريكية تقوم على منع انهيار الاتفاق، في ظل إدراك الإدارة الأمريكية أن الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مستعدة لاتخاذ قرار سياسي من هذا الحجم.
سيناريوهات المرحلة الثانية
في ضوء هذا المشهد، يبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار المرحلة الثانية: السيناريو الأول: الانتقال الشكلي، إذ تعلن إسرائيل التزامها المبدئي بالمرحلة الثانية، من دون ترجمة ذلك إلى خطوات تنفيذية واضحة، مع إبقاء البنود الجوهرية معلقة عبر ذرائع أمنية وإجرائية. هذا السيناريو يسمح بالحفاظ على الاتفاق قائماً شكلياً، مع تعطيله فعلياً.
السيناريو الثاني: الانتقال المشروط، وهو الأكثر ترجيحاً حتى الآن، يقوم على انتقال مشروط ومفرغ من المضمون. ففي هذا الإطار، توافق إسرائيل على بدء المرحلة الثانية، لكنها تربط تنفيذها بسلسلة شروط جديدة لم تكن جزءاً من نص الاتفاق، مثل نزع السلاح وترتيبات أمنية طويلة الأمد وربط إعادة الإعمار بإشراف سياسي وأمني موسع. بهذا، تتحول المرحلة الثانية إلى عملية تفاوض مفتوحة بلا سقف زمني.
أما السيناريو الثالث: فهو إعادة تدوير المرحلة الأولى تحت مسميات مختلفة، عبر تمديد وقف النار الهش، وفتح محدود للمعابر، ومعالجات تقنية لبعض الملفات، من دون إعلان رسمي للانتقال إلى المرحلة الثانية. هذا السيناريو يسمح لإسرائيل بتجنب إعلان فشل الاتفاق، وفي الوقت نفسه يمنع الوصول إلى استحقاق سياسي شامل.
غموض للحفاظ على الائتلاف
في الداخل الإسرائيلي لا يبدو أن هذه السياسة تفرض ثمناً سياسياً فورياً على نتنياهو. فقاعدته اليمينية لا ترى في الانتقال إلى المرحلة الثانية أولوية، بل تعتبر إدارة الغموض وسيلة للحفاظ على توازن الائتلاف. وهكذا يواصل نتنياهو إدارة الاتفاق بمنطق إدارة الأزمات لا حسمها.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي مدخلاً فعلياً للمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في غزة، فهي أسقطت ذريعة واحدة فقط، من دون أن تمس جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على التأجيل وإعادة التفاوض. ويبقى الانتقال الحقيقي رهناً بقرار إسرائيلي غير متوافر حتى الآن، وبضغط دولي لا يتجاوز سقف الاحتواء، ما يجعل المرحلة الثانية عنواناً مؤجلاً لا مساراً مفتوحاً.
