بعد أكثر من عقد على إطلاق مبادرة «الحزام والطريق» التي أعادت رسم خرائط النفوذ عبر الموانئ والسكك الحديدية والطاقة، تكشف تقارير بحثية أمريكية أن الصين بدأت تطبيق الاستراتيجية نفسها في مجال الفضاء، ناقلة ثقل المشروع من اليابسة إلى المدار.

تغلغل هادئ في دول الجنوب

في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق واسعة من دول الجنوب العالمي، أنشأت أو وسّعت شركات صينية محطات أرضية للأقمار الصناعية ومرافق تتبع واختبار وبنية تحتية فضائية متقدمة، ما جعل بكين بوابة دخول الفضاء لدول تفتقر للخبرات والإمكانات، مثل باكستان وإثيوبيا وفنزويلا والأرجنتين وناميبيا.

أكثر من تعاون تقني

محللون يحذّرون من أن هذا التمدد لا يقتصر على التعاون العلمي أو الاقتصادي، بل يحمل أبعاداً استراتيجية وعسكرية، في وقت بات فيه الفضاء يُصنَّف ساحة صراع جديدة إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء السيبراني.

تقرير أمريكي يدق ناقوس الخطر

تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) كشف أن الصين تتغلغل بعمق في برامج الفضاء لعشرات الدول عبر تقديم منظومة متكاملة تشمل تصميم الأقمار الصناعية وتصنيعها وإطلاقها، إضافة إلى تدريب الكوادر وبناء المحطات الأرضية.

فضاء يخدم القوة العسكرية

ويرى التقرير أن هذه المقاربة تمنح بكين نفوذاً طويل الأمد في مجال أصبح أساسياً للقوة العسكرية الحديثة، إذ تعتمد الجيوش المعاصرة على الأقمار الصناعية في الاتصالات وجمع المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر والملاحة وتوجيه الأسلحة.

سباق الدبلوماسية الفضائية

وقال ماثيو فونايولي، الزميل البارز في المركز وأحد معدّي التقرير، إن المعركة الحقيقية تدور حول «من يفوز بدبلوماسية الفضاء في دول الجنوب»، مشيراً إلى أن الصين تتحرك وفق إدراك واضح بأن الفضاء عنصر حاسم في الأمن القومي والقوة الاقتصادية.

شبكة عالمية خارج الصين

خبراء يؤكدون أن بكين لا تستطيع التحول إلى قوة فضائية عالمية من داخل حدودها فقط، إذ تحتاج إلى شبكة عالمية من محطات التتبع والاتصال موزعة عبر القارات، وهو ما توفره لها المنشآت الخارجية التي تضيف مرونة واحتياطاً حاسمين في أوقات الأزمات.

استخدام مزدوج يثير القلق

التقرير أبدى مخاوف متزايدة من الطبيعة المزدوجة للبنية التحتية الصينية، حيث يمكن للمرافق المُعلنة كمشروعات علمية أو تجارية أن تُستخدم في مراقبة الأقمار العسكرية وجمع بيانات حساسة، مع غموض حول الجهة التي تملك حق الوصول إلى هذه البيانات.

«الحزام والطريق» بنسخة فضائية

ويرى الخبراء أن الصين لم تعد تصدّر الطرق والموانئ فقط، بل باتت تصدّر الأقمار الصناعية وخدمات الإطلاق والمحطات الأرضية، ما يُدخل التكنولوجيا والمعايير الصينية إلى قلب الأنظمة السيادية للدول الشريكة، في نسخة فضائية كاملة من «الحزام والطريق».

واشنطن تراقب بقلق

وأشار التقرير إلى أن أعمق شراكات الصين الفضائية تتركز في أمريكا اللاتينية، خصوصاً في فنزويلا والأرجنتين، وهو ما يفسر القلق الأمريكي المتزايد من انعكاسات هذا التمدد على الأمن القومي.

اقتصاد الفضاء على المحك

وبعيداً عن البعد الأمني، يحذّر التقرير من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد إذا أصبحت الصين الشريك الفضائي الأول للدول النامية، في وقت يُتوقع أن تصل قيمة اقتصاد الفضاء العالمي إلى تريليونات الدولارات خلال العقود المقبلة.

ورغم ذلك، يؤكد معدّو التقرير أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك فرصة للمنافسة، لكنها مشروطة بالتعامل مع الفضاء كأداة استراتيجية للدبلوماسية والنفوذ، لا مجرد مجال علمي أو تجاري.

شاركها.
Exit mobile version