تابع قناة عكاظ على الواتساب

على مدى عقود كان قطاع الاتصالات من أعمدة النمو الاقتصادي في العالم. الهاتف المحمول والإنترنت والبيانات صنعت موجات توسع هائلة وولدت شركات بإيرادات وأرباح غير مسبوقة. لكن هذا العصر انتهى. عصر الإيرادات الضخمة المبنية على بيع الدقائق والجيجابايت لن يعود مرة أخرى. الاتصال أصبح خدمة أساسية مثل الكهرباء والماء ضرورية لكنها لا تصنع الثروة

اليوم معظم أسواق الاتصالات مشبعة والاستثمارات الرأسمالية تتزايد بينما النمو يتباطأ والأسعار تحت ضغط. زيادة السعة والشبكات لم تعد تعني زيادة في الإيرادات. القيمة الاقتصادية انتقلت إلى طبقات أخرى مثل البيانات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمعاملات الرقمية. من يسيطر على هذه الطبقات يسيطر على الاقتصاد القادم.

هذه الحقيقة تخلق مفارقة استراتيجية حيث شركات الاتصالات تبني وتدير الشبكات التي يمر عبرها كل شيء لكنها لا تملك الطبقات التي تولد القيمة الأكبر. وفوق هذه الشبكات تنمو منصات عالمية تبني أسواقاً وسحابة وخدمات وذكاءً اصطناعياً وتراكم ثروات هائلة بينما يبقى مشغل الشبكة في أدنى السلسلة. هذا التحول لم يعد مسألة أعمال فقط بل أصبح مسألة سيادة وأمن اقتصادي. الدول التي لا تمتلك بنيتها الرقمية من هوية وبيانات ومعاملات وسحابة محلية تصبح معتمدة على منصات خارجية لإدارة اقتصادها ومجتمعها ومؤسساتها. في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي هذا الاعتماد يمثل مخاطرة استراتيجية.

بالنسبة لدولة مثل السعودية التي تبني اقتصاداً متقدماً ومتنوعاً فإن امتلاك البنية الرقمية السيادية شرط أساسي لصناعة الثروة الرقمية. الاقتصاد الرقمي القادم سيحدد القدرة على التحكم في الصناعة والخدمات الحكومية والقطاع المالي وسلاسل الإمداد والأمن الوطني. من يملك منصات البيانات والمعاملات يملك قلب الاقتصاد. لهذا فإن مستقبل قطاع الاتصالات عالمياً ليس في العودة إلى نمو الإيرادات التقليدية بل في التحول إلى منصات رقمية سيادية. هذا يتطلب تغييراً جذرياً في نموذج العمل والحوكمة. يتطلب فصل إدارة الشبكات عن إدارة المنصات وبناء قدرات برمجية وبيئية تسمح ببناء اقتصاد رقمي فوق بنية وطنية آمنة.

خلال العقد القادم سينقسم القطاع إلى مسارين. مسار يتحول إلى شركات بنية تحتية مستقرة بعوائد محدودة، ومسار يتحول إلى منصات رقمية تتحكم في تدفقات البيانات والهوية والمعاملات، وتصبح جزءاً من العمود الفقري للاقتصاد الوطني. الفرق بين المسارين ليس تقنياً بل في الرؤية والحوكمة والجرأة على إعادة بناء المؤسسة. الاتصالات لن تفقد أهميتها لكنها لن تعود أبداً إلى عصر الإيرادات السهلة. إما أن تصبح أساساً لثروة رقمية وسيادة وطنية أو أن تتحول إلى مجرد شبكة تمر عبرها ثروات الآخرين.

* rjahdali@gmail.com

شاركها.
Exit mobile version