دعني في الختام أستذكر الراحلين بالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، ولفاقديهم بالصبر والرضا، وأن يخلف لهم ربنا في فقدهم بخير، فتقبّل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وصالح الأعمال.
مواسم الخير تهطل مؤنسة بخيراتها، تنقل الفكر لينظم إبداعه نحوها، مستلهماً درر البلاغة، ومعتمراً حسن البيان.
إنها نسمات ساحرة، تنشر عبيرها في قلوب العابدين، وتنثر بريقها لتنير درب الصائمين، فهذا شهر الخير قد أقبل، ينشر البشر، ويسقي الفؤاد؛ لعظيم فضله، وجزيل أجره.
كانت السنة الثانية من الهجرة موعداً مع فرضه، والبشارة بشرعه، لما فيه من أجر صيام نهاره، والتعبد طلباً لثواب قيام ليله، حيث فرضه رب العباد عز وجل رحمة للعالمين، وتكفيراً لذنوب المؤمنين.
أخبار ذات صلة
موعد حلوله رؤية هلاله، إيذاناً بدخول موسمه، ليشمر العابد عن ساعديه كناية في حث الخطى والتوجهات؛ نحو نيل فضله، وبركة صومه، وثواب قيامه، وحسن بذله، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر، فأبواب النار مغلقة، وأبواب الجنة مشرعة، وشياطين الجن مصفدة، وذلك فضل رب العالمين، تكريما لشهر الصائمين.
محاسنه جمة، ومواطن الاستزادة من خيراته غزيرة، فمن جميل وصفه أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ومن طيب أثره أن من صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن عظيم مآثره نزول القرآن الكريم بكلام ربنا العظيم على نبينا الأمين، ولأن فضائله تترى فإن به ليلة خير من ألف شهر؛ ليلة القدر حيث مضاعفة الحسنات، وغفران الذنوب والسيئات، كما أن من فطّر صائماً كان له مثل أجره.
فهنيئاً لمن تزكى، وصام نهاره وقام ليله، وأحياهما بتلاوة كتاب ربه عز وجل، وبورك من استزاد من فعل الخيرات، وترك المنكرات، وتصدق لنفسه من طيب ماله.
ثم هنيئاً لمن وَصَلَ فيه رَحِمه، وأدخل السرور على أهله؛ فرحاً بقدومه، وأنساً بأيامه ولياليه، فهو موسم طاعات وعبادة، وفرصة أنس وسعادة، وموعدٌ للفرح والبشر بلمة إفطاره، ومحفز لاغتنامه بحسن الصحبة، وصلة القربة، وجميل القول، وحسن العمل.