عبر سينوغرافيا بسيطة تعتمد على حقائب السفر، تحولت الخشبة إلى ذاكرة تفيض بالحنين والخوف والقرارات المؤجلة، في عرض «سائر»، ثاني عروض مهرجان دبي لمسرح الشباب، الذي تُنظمه هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة) بحي الشندغة التاريخي، تحت مظلة مهرجان دبي للفنون الأدائية الشبابية.
ويحمل العرض، الذي قدّمه مسرح خورفكان للفنون، أول من أمس، معنى الاغتراب والرحيل، والحقائب التي لا تحمل وعوداً بحياة أكثر إنصافاً، وإنما وهم بأن تكون أقل ضيقاً، فهو بمثابة رحلة داخل الإنسان الذي لا يبحث عن طريق واضح وإنما أقل ألماً.
على حقيبة السفر انحنى سائر، وهو يغني «أحن إلى خبز أمي» بصوت مرتجف، وبهذه الأغنية التي تحاكي الذاكرة العربية، أدخل المؤلف، عبدالله المهيري، المشاهد إلى حياة الشخصية الرئيسة في العمل، وما تحمله من ثقل الفقد والحنين والبحث عن الذات، وضع أحلامه في هذه الحقيبة التي باتت تمثّل الخلاص، وقرر ألا يرث حزن أبيه الذي انتصر عليه الموت بعد الاكتئاب، وترك أخته، وأمه التي تحملت الصعاب وحدها.. هجر سائر خريطة مصاعب حياة كاملة عاشتها هذه الأم، خوفاً من أن يرث خيبات أمل تهمس في كل ركن من أركان البيت.
اختبار وجودي
لجأ مؤلف العمل المهيري إلى السرد، فصاغ حكايته وفق نص قوامه رصد الوجع والمعاناة الداخلية التي يعيشها المرء عندما يُقرّر أن يحمل حياته في حقيبة سفر، يُصور الكاتب الرحيل كاختبار وجودي ومعركة داخلية بين الذاكرة والرغبات المستقبلية، وليس فعلاً جغرافياً بين مكانين.
تتصاعد الأحداث لتبرز المشاعر الإنسانية، تارة عبر الحوارات وأخرى من خلال «المونولوجات»، كي يغوص المتلقي في عمق حياة سائر ووالدته وأخته.
ويتقاطع الأداء التمثيلي مع السينوغرافيا التي وضعها المخرج عبدالعزيز حبيب، ليرسم خطوات تتجه نحو المجهول بشجاعة من يريد أن يقف في مكان جديد، ولا أحد يعرفه، لكنه يريد أن ينقذ نفسه. يحول المخرج الحقائب إلى شخصيات، ويرسم حكاية الأم الحزينة التي لم تكن تخشى من رحيل ابنها سوى صمت البيت بعده، وحبيبته التي فضلت الابتعاد عنه عند حمل حقائب السفر معه.
لمسات معاصرة
وعلى الرغم من الجرعة الفائضة من الحزن والتراجيديا التي نعيشها مع الشخصيات، لاسيما الأم الحزينة التي أوقف قلبها الانتظار والفقد، فقد عمد المخرج إلى منح العمل لمسات فنية معاصرة، من خلال الرقص التعبيري الذي أضيف إلى العمل، وأتى مكملاً لأداء الممثلين الذين أتقنوا أدوراهم.
وفي الختام يأخذ سائر الذي يحمل اسمه كقدر معلن، المشاهد، إلى المعنى الفعلي للغربة، فهي أن تسكن جسدك وتشعر أنه لا يعرفك، وأن تنام في سريرك، ولكن قلبك يهاجر إلى مكان لا تعرف ما إذا كان حقيقياً أو اختراعاً من اختراعات الوجع. اختيار الرحيل لا يكون لأن الطريق واضح، وإنما لأن البقاء بات مؤلماً إلى هذا الحد، ولكن مهما أمعن الإنسان في الرحيل يبقى معلقاً بخيط من الضوء يشبه خبز الأم، خيط لا ينقطع، ولكنه غالباً ليس كفيلاً بإنقاذه.
نصيحة مجرّب
وحول العرض قال المخرج عبدالعزيز حبيب لـ«الإمارات اليوم»: «إنها التجربة الأولى لي بعد التمثيل، ولم أكن أتخيل أنها ستحمل الكثير من الصعوبات، فقد عملت مع أصدقائي المخرجين، وكنت أتعلم منهم، وأنصح أي ممثل أن يتجرأ ويختبر تجربة الإخراج».
وأضاف: «رؤيتي في السينوغرافيا كانت بسيطة، لأننا نتحدث عن قضية الغربة التي تمس الشاب بطل المسرحية، لذا أردت تقديم مشاهد واقعية، فالحقائب كانت قصصاً وشباباً».
وعبر حبيب عن سعادته بالمشاركة في مهرجان دبي لمسرح الشباب، مشيداً بما يقدّمه من فرصة للمواهب العاملين في المسرح، فهو بمثابة ورشة يتعلمون منها. واعتبر أن التحديات المرتبطة بالفضاء الخارجي ممتعة وتمنح المخرج الفرصة للإبداع على نحو أكبر.
وجمع العمل في التمثيل وئام أيت، وعلياء يسري، وحمدي حجيرة، وحسين الأحمد، وسكينة بنشقرون. وقال حجيرة الذي أدى دور سائر: «الشخصية تمثل كثيرين يعيشون هنا، وهي تشبهني، كوني سوري الجنسية وأستقر في الإمارات، وقد شعرت بأنها قريبة مني»، مشيراً إلى أن العمل حمل الكثير من مقاطع «المونولوج»، وكانت الأصعب لأنها تقيّد حركة الممثل مع الإضاءة، وأبرز ما في هذه المشاهد أنها حملت أوجاع الناس، وهذه هي مهمة المسرح الرئيسة، على حد تعبيره.
أما المشاركة في اللوحات الاستعراضية، فأوضح أنها ليست التجربة الأولى له، ووصفها بالفقرات التي تشحن طاقة الممثل على الخشبة.
حفيد على خُطى الجد
قُدّمت خلال اليوم الثاني من مهرجان دبي للفنون الأدائية الشبابية، مجموعة من العروض الشعبية، فضلاً عن عروض الدمى المتحركة.
أما في الموسيقى فقدّم على خشبة المسرح العديد من الفقرات، من بينها الفقرة التي قدّمها الشاب الإماراتي، حمد عمر، بالعزف على آلة القانون، وقال حمد لـ«الإمارات اليوم»، إن «جدي هو العازف المعروف مدني عبادي، وعندما شاهدت مقاطع فيديو لعزفه على القانون أردت تعلم العزف على هذه الآلة، وبدأت بخوض رحلة التعلم منذ سنة ونصف السنة»، مشيراً إلى أن التحديات التي واجهها في تعلم العزف على الآلة هي الموازنة بين الموسيقى والدراسة، لاسيما أنه في الصف الـ11، وعبّر عن سعادته بالمشاركة في مهرجان دبي للفنون الأدائية، لما يحمله من أجواء فنية رائعة.
