في عام 1965، وعلى متن سفينة قادمة من مومباي، وصل الشاب الهندي «الحالم»، نافور كانو راوتر جمال الدين، إلى دبي، باحثاً عن فرصة عمل، وحاملاً معه الكثير من الأماني والطموحات، إذ قطع البحار في رحلة لم تكن سهلة، ليبدأ مشواره في المدينة الواعدة كموظف في أحد البنوك براتب لم يتجاوز 500 درهم.

وبعد سنوات، أراد جمال الدين (91 عاماً) أن يردّ الجميل لهذه المدينة، من بوابة التعليم، حيث كان حلمه تأسيس مدرسة برسوم منخفضة، وترك الوظيفة في أوائل الثمانينات ليسلك ذلك الطريق، إذ أسس مدرسة الهلال الإنجليزية التي مازالت إلى اليوم تحمل الرسالة نفسها والحلم فيها يتواصل معه ومع أولاده.

وفي مستهل حواره مع «الإمارات اليوم»، عاد جمال الدين بالذاكرة إلى سنوات بعيدة، حينما قرّر القدوم إلى دبي، موضحاً: «انطلقت من الهند في 21 من فبراير 1965، ووصلت في 26 من الشهر نفسه، وحصلت على وظيفة في بنك، لأنني متخصص بالاقتصاد، وكان راتبي 500 درهم، وكان يعتبر عالياً ومميزاً في تلك الفترة».

شخصية ودودة

ووصف جمال الدين دبي بالمدينة الرائعة، مشيداً برؤية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مضيفاً: «امتلك الشيخ راشد رؤية مميزة هي التي جعلت الإمارة تصل إلى ما بلغته اليوم، وقد التقيت به أكثر من مرة، في المسجد الكبير عندما كان يحضر لأداء الصلاة، إذ كان يمتلك شخصية ودودة، ويتحدث مع الجميع».

أمّا عن حلم المدرسة، فذكر جمال الدين أنه حصل على ترقية مهمة في عمله في البنك، واستمر في ذلك المجال حتى عام 1982، إذ حصل على تصريح من وزارة التعليم لإنشاء مدرسة، وشرع بتأسيسها، وتتبع حلمه بإتاحة فرصة التعليم للجميع.

وأكمل: «لطالما حلمت بإنشاء مدرسة ذات رسوم منخفضة تتيح التعليم لجميع فئات المجتمع، لاسيما العمال الذين يتقاضون رواتب منخفضة، فالإنسان يجب أن يقدّم للمجتمع، وعندما يرحل لن يأخذ معه سوى العمل الصالح، وخدمة الناس هي رسالة أساسية في الحياة».

السلاح الأهم

وشدّد جمال الدين على أنه أصرّ على أن تكون المدرسة ذات رسوم منخفضة، إيماناً منه بأن العلم هو السلاح الأهم من أجل القضاء على الجهل، وافتتحها في منطقة الراشدية، وكانت تضم في البداية 33 طالباً وطالبة، ووظّف ما يقارب سبعة مدرسين أتوا من مومباي، معترفاً بأنه واجه الكثير من التحديات، لأن إنشاء مشروع تعليمي برسوم منخفضة تتم مواجهته من قبل المشاريع المنافسة التي تتقاضى أجوراً مرتفعة، فأغلبها لا تريد لمشروع كهذا الاستمرار.

وبيّن جمال الدين أنه عمل على تطوير المدرسة، وانتقل من الراشدية إلى ند الحمر، ثم إلى القصيص في عام 2000، ووصل العدد اليوم إلى 1600 طالب، والمنهج التعليمي يبدأ من «الحضانة» حتى «الثانوي»، بمتوسط رسوم يصل إلى 3500 درهم سنوياً.

ويبلغ جمال الدين من العمر 91 عاماً، ولكنه لايزال يتابع عمله في المدرسة على نحو يومي، كما أنه إلى جانب متابعة شؤون المدرسة، يعشق كتابة الشعر، وأصدر مجموعة شعرية باللغة المالايالامية، وترجمت إلى اللغة العربية تحت عنوان «زمزم»، ووصف نفسه بالحالم إذ يحلم يومياً بمساعدة الناس، لاسيما الفقراء الذين لا يمتلكون القدرة على دفع رسوم تعليمية عالية من أجل تقديم هذه الخدمة لهم، ولايزال إلى اليوم يمتلك أحلاماً يسعى إلى تحقيقها في «أرض الفرص» دبي التي لا يكف عن نعتها بـ«المدينة الرائعة».

على خُطى الوالد

يعمل الدكتور سليم جمال الدين والدكتور رياس، من أولاد نافور، معه في المدرسة، وقال الدكتور سليم إنه يداوم في عيادته، لكنه يعمل أيضاً في المدرسة، التي تتبع المعايير التي تضعها هيئة المعرفة والتنمية البشرية، مشيراً إلى أن البرنامج الذي يُدرّس جيد، ويحمل الكثير من الأنشطة والفعاليات التي تنظم إلى جانب التعليم، ورأى أن التعليم ليس دراسة فحسب، بل يشتمل أيضاً على العديد من الأنشطة الإضافية التي يجب تقديمها إلى جانب الحصص.

بينما أوضح الدكتور رياس أن المدرسة قادرة على تقاضي هذه الرسوم المنخفضة، لأن والده قد بنى المبنى الخاص بالمدرسة، وهذا يخفض التكاليف والمصروفات السنوية، مشدداً على أن والده لم يكن يحلم ببناء ثروة، وكان يمكنه تحقيق ثروة كبيرة على مدى السنوات سواء من عمله في البنوك أو حتى التدريس، لكنه أراد أن يكون التعليم متاحاً للجميع.

وقال إن الرسوم التي تتقاضاها المدرسة تُعد الأقل في دبي، إذ إن والده يسعى إلى إبقاء الأسر مترابطة بإتاحة التعليم لذوي الدخل المحدود، مشيراً إلى أن الأب يحمل رؤية بأن تصبح المدرسة أكبر، آملاً أن يتمكنا من تحقيق أحلام والده الكبيرة، لاسيما أن المدرسة اليوم لا يمكنها استقبال المزيد من الطلاب.

• 91 عاماً، ولايزال جمال الدين يتابع عمله في مدرسته على نحو يومي.

• 1965 السنة التي قدم فيها نافور كانو راوتر جمال الدين إلى دبي.

• المنهج التعليمي يبدأ من «الحضانة» حتى «الثانوي»، بمتوسط رسوم يصل إلى 3500 درهم سنوياً.

نافور جمال الدين:

• خدمة الناس رسالة أساسية في الحياة.. والإنسان عندما يرحل لن يأخذ معه سوى العمل الصالح.

• أحلم دوماً بمساعدة الذين لا يمتلكون القدرة على دفع رسوم تعليمية عالية، لاسيما من يتقاضون رواتب منخفضة.

شاركها.