من خلال توظيف التقنيات الحديثة والحواس والذاكرة الجماعية، برزت مجموعة من الأعمال الفنية المعاصرة التي عُرضت في مهرجان سكة للفنون والتصميم الذي اختتم أخيراً، التي تتوجه نحو الفن التفاعلي، وتعيد تعريف العلاقة بين الجمهور والعمل الفني. وعكست هذه الأعمال اهتمام الفنانين، ولاسيما الإماراتيين، باستكشاف العلاقة بين الفن والمجتمع والهوية بأساليب معاصرة، حيث يتحول الجمهور إلى جزء أساسي من التجربة، لاسيما أن الأعمال تتيح استحضار التجربة الشخصية والحواس، ما يفتح المجال أمام منح العمل أشكالاً جديدة.

حكايات شعبية

الفنانة الإماراتية مريم القاسمي، عملت على الذاكرة الإماراتية والحكايات الشعبية، وقالت عن عملها: «اخترت ثلاث شخصيات تعرف في الحكايات الشعبية، هي أم الدويس وحمارة القايلة وأبودرياه، وهو عمل يقوم على أهمية النقل الشفهي، لأن هناك اختلافاً كبيراً في تناقل الحكايات وتفاصيلها، وهذا نلاحظه في اختلاف التصورات الخاصة بكل شخصية». وأضافت: «لا أحد يعرف المزايا الشخصية الحقيقية لهذه الشخصيات، ولكن بحسب القصص التي تروى، يتم تخيلها، وهذا ما دفعني إلى إجراء بحث يقوم على أن أطلب من المشاركين رسم تصورهم لكل شخصية، وقد بنيتُ تركيبة العمل والصور من خلال الرسومات التي تسلمتها من المشاركين في البحث». ولفتت القاسمي إلى أن العمل البحثي جعلها تكتشف أن الصغار قدموا رسومات بنسخ مشابهة لرسومات الأمهات، وهذا يعطي مثالاً عن أهمية النقل الشفهي وما يتركه من أثر ينعكس على المخيلة. ونوهت بأنها طلبت الرسومات من مختلف الشرائح العمرية، موضحة بأنها تعمدت بعد الحصول عليها بناء كل شخصية على شكل مجسم مكون من ثلاثة مكعبات متحركة وتحتوي على رسومات متعددة، بحيث إذا تحريك أي مكعب فسيغير الشكل النهائي للشخصية. وأشارت إلى أن العمل صنع من الخشب والمعدن، والرسومات تمت بشكل ديجتال، وقد نفذت الأعمال بطرق عشوائية كي تكون الملامح غير واضحة. ولفتت على أن هذه القصص تلعب دوراً مهماً في الثقافة المحلية، وقد اختارت تسليط الضوء عليها، نظراً لأهمية التناقل الشعبي في ثقافة المرء ومخيلته.

ضغط اجتماعي

أما الفنانة علياء عمران الجسمي، فقدمت مشروعاً عن الضغط الاجتماعي، يتفاعل من خلاله الحضور عبر مجسمات وضعت وتم توصيلها بالكهرباء، وتعكس تفاعلهم على شاشة عملاقة. وتحدثت الجسمي عن عملها، قائلة: «حاولت أن أقدم مفهوم الضغط الاجتماعي، وخصوصاً في التجمعات مع الأهل والأصدقاء، حيث قد تشكل بعض الأحاديث نوعاً من الضغط الاجتماعي». وأضافت: «أردت أن يتجسد التفاعل بين المجسمات التي تمثل البشر والشاشة عن طريق الضغط عليها، بحيث يتم الضغط على المجسمات لنشهد التفاعلات على الشاشة». وأشارت إلى أن الشاشة تحتوي على نقاط صغيرة تمثل الآثار التي تكون الشخصية، والضغط على المجسم سيقود إلى تكوّن شخص واحد، موضحة أن التكنولوجيا تلعب دوراً كبيراً في هذا العمل التفاعلي، لأنه قائم على البرمجة والحساسات، بينما الوسائط التي استخدمت لتكوين المجسمات هي المعادن والإسفنج الصناعي وغيرها كثير، في حين كانت الألوان المرحلة الأخيرة في بناء المجسمات. ونوهت بأنها خلال التنفيذ قد واجهت الكثير من التحديات، لاسيما أنها معتادة تقديم الفن المادي وليس التقني، ولكن التحديات كانت ممتعة بما تحمله من تجريب وفرصة للتعلم والانتقال إلى مستوى فني جديد.

غرفة فنية

أما الفنانة جوليانا عطالله فقررت أن تبتكر غرفة فنية قائمة على تفاعل الجمهور ومستوحاة من لوحة الفنان بيت موندريان، مختارة اللوحة التي استخدم فيها الألوان الأساسية، والتي تبرز القيم الإنسانية، وتعبر خطوط الطول والعرض فيها عن الأرض. وقالت «اخترت تقديم العمل ليبقى مطبوعاً في ذاكرة الجمهور، بحيث عليهم اختيار ورقة ملونة موجودة في اللوحة، ومن ثم يكتبون عليها للتعبير عن معنى اللون الذي تم اختياره أو المشاعر التي يولدها، ليكتمل العمل مع امتلاء الغرفة بالأوراق الخاصة بتعبيرات الناس عن الألوان. ونوهت بأنها اختارت هذا العمل لأن الفن انتقل معها من الطبيعة الصامتة إلى الفن التجريدي الهندسي». وعبرت عطالله عن شغفها بالأعمال التفاعلية، مشيرة إلى أن هذا النوع من الأعمال يتيح للجمهور ترك بصمته في العمل الفني، والتعبير عن نفسه.

ثقافة محلية

ركزت بعض التجارب التفاعلية على الثقافة المحلية، ومن بين هذه الأعمال عمل الفنانة الإماراتية علياء شرفي، الذي حمل عنوان «رمستنا»، وهو إسقاط تفاعلي آلي قائم على الحضور، ويعرض على نسيج، يستكشف «العربيزي» بوصفها لغة حية وجماعية تشكلت عبر التواصل الاجتماعي والذاكرة المشتركة. وتتوزع في العمل 8 منسوجات معلقة تحمل كلمات عربية مرتبطة بالعائلة، تقابلها إسقاطات لكلماتها بصيغة «العربيزي»، ويتم تفعيلها من قبل الحضور. وتتحول في العمل المسافة إلى واجهة تفاعلية تكشف كيف تتشكل اللغة والهوية والمعنى بصورة جماعية عبر الأجيال وأنماط التواصل المعاصرة. وفي السياق نفسه عملت الفنانة الإماراتية فاطمة العوضي، من خلال عملها «نسيج الحكايات»، وهو إسقاط تفاعلي على القماش، على تقديم عمل مستوحى من المجلس، بحيث يحرك جهاز العرض الضوئي منسوجات السدو المعلقة ويقوم الزوار بتفعيل أنماط رمزية من خلال الحركة والحضور، في حين تتشابك الإيماءات الفردية لتشكل تركيباً نسجياً مشتركاً، يكشف العمق السردي والمعنى الثقافي الكامن في السدو الإماراتي التقليدي.

شاركها.
Exit mobile version