لم تكن الإماراتية، حمدة البلوشي، تتخيل أن حادثاً تعرّضت له بالمدرسة التي كانت تعمل فيها، سيكون بداية مرحلة من حياتها مملوءة بالاختبارات الصعبة والتحديات، التي خاضتها مع مرض حوّل بوصلة حياتها بالكامل ليعيد ترتيب أولوياتها، وحتى نظرتها للحياة.
لكن حمدة نجحت في تحويل أزمتها الصحية إلى نقطة قوة وطاقة إبداعية تنبض بالابتكار والتجدد، وتقديم نموذج فريد للمرأة الإماراتية التي تصنع من المحنة منطلقاً للحياة، وتروّض «هجمات» مرض نادر وصعب، في قصة مُلهِمة تستحق أن تُروى، إذ لا تكتفي، اليوم، بالإبداعات ودعم ساحة النشر المحلية وأدب الطفل الإماراتي بالمؤلفات الجديدة، بل تشارك تجربتها مع الآخرين، وتدعم جهود الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد في الإمارات وحملاتها التوعوية، لتشجيع المصابين به على عدم الاستسلام، وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة.
لحظة مفصلية
تمسّكت الكاتبة والمدربة ومعلمة الأطفال بشغفها القديم، منذ عام 2000، برسالتها التربوية السامية، والتزامها المهني العالي بالمسؤولية وأملها اللامحدود في المستقبل، لكنها واجهت في عام 2011، لحظة مفصلية اكتشفت خلالها إصابتها بمرض التصلب المتعدد، وتعرّضها لخطر الموت بعد تفشي سلسلة من الأعراض الغامضة التي لم يستطع الأطباء في بداية الأمر تفسيرها، كما روت لـ«الإمارات اليوم»، مضيفة أنه بعد سلسلة من الفحوص التي أجرتها بسبب حادث جهاز «الداتا شو» الذي سقط فوقها، اكتشفت حمدة إصابتها بالتصلب اللويحي، ودخلت دوامة المرض والعلاج، لتقضي ما يزيد على السنة ونصف السنة متنقلة بين البيت والمستشفى، تحت الملاحظة والعلاج.
وأوضحت: «كنت أعاني آلاماً غير محتملة بجانب تنمل في اليدين والوجه وصعوبة في المشي، ومع تنوع الفحوص، اكتشف الأطباء وجود ورم حميد في الرقبة، لكنهم لاحظوا مؤشرات مرض نادر، وبعد أخذ خزعة، أكدوا إصابتي بالتصلب اللويحي، ذلك المرض الصعب الذي يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويؤثر في الحركة والنظر، ويأتي على شكل هجمات مفاجئة وغير متوقعة، ومع تدهور حالتي الجسدية، واجهت أزمة نفسية قاسية فقدت في ظلها الأمل في الشفاء، وذلك بعد أن أبلغني الطبيب ببلوغ مرضي مرحلة متقدمة، وعدم قدرتي على الصمود أكثر من عامين، حينها انهارت كل أحلامي، حاضري إضافة إلى مستقبل طفلَي الصغيرين اللذين كانا في أمسّ الحاجة إليّ.. وقتها فقط شعرت أن الحياة توقفت».
مرحلة التحول
ورغم وقع الأزمة، فإن حمدة تمسّكت بالأمل وراحت تبحث وتقرأ، وتتقصى الحقائق، إلى أن جاءت نقطة التحول المفصلية، مصادفة، خلال قصة قرأتها عن تجربة رجل قضى حياته ينظر من إحدى نوافذ المستشفى إلى الناس ويموت حسرة لأنه استسلم، واصفة هذه اللحظات: «عاهدت نفسي ألّا أكون ذلك الشخص، وقررت أن أتحدى المرض وأعيش، فيما بدأت متسلحة بالإيمان والرغبة في الاستمرار، في تجاوز هذه الفجوة، ولملمة شتات نفسي، واستعادة قوتي من جديد، فقررت تحدي ضعفي، ومواصلة طريق الحياة التي أستحقها».
وأشادت في تلك المرحلة الصعبة، بالدعم الذي تلقته من أسرتها وأخواتها، بعد قرارها الاستقالة من عملها والتنقل على امتداد عامين متتاليين بين غرف المستشفيات والبيت، قبل قرار العودة مجدداً إلى معترك الحياة، مضيفة بابتسامة مشرقة: «عدت إلى حديقتي، لأزرع فيها مجدداً مع أطفالي الأمل، وأنطلق في تنفيذ حلم إبداعي جديد».
سعادة الأطفال
وأكّدت حمدة أن مشروع «صغارية» الذي أسسته، كان بداية مرحلة جديدة في حياتها، إذ تمسّكت من خلاله، بصناعة أمل جديد في المستقبل: «ابتكرت وطرحت من خلال هذا المشروع قصصاً وألعاباً ووسائل تعليمية فريدة تغرس حب القراءة باللغة العربية، وتخدم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وتطوّرت فكرته لتصبح رسالة تربوية وإنسانية سامية أسهم في تكريسها من خلال بصمة إيجابية كل يوم، وذلك بعد أن علمتني تجربة التعايش مع (هجمات) هذا المرض المفاجئة وغير المتوقعة، أن كل يوم أستيقظ فيه دون ألم، هو نعمة يجب أن أستغلها، لصناعة أثر أو تكريس تغيير ما من حولي».
ونجح حلم «صغارية» وتوسعت معه مبادرات القراءة، التي أسست منها حمدة حملة «اقرأ مع صغارية»، لتجوب مدارس ومعارض ثقافية، موزعة القصص مجاناً، ومحفزة الناشئة على القراءة باللغة العربية، في الوقت الذي لفتت تجربة حمدة أنظار جمعية الناشرين الإماراتيين، فرشحت نفسها لعضوية مجلس إدارتها وفازت قبل نحو عام بمنصب أمين سرها، وقالت: «مع كل ورشة أقدمها في إحدى المؤسسات التربوية الإماراتية، يتم تكريمي بدرع وشهادة، لكن التكريم الحقيقي، يتوقف على رؤية سعادة الأطفال بالقراءة».
بداية جديدة
مع الوقت، قررت حمدة العودة إلى سالف نشاطها في عملها، وأطلقت مشروعها التربوي لتعليم الأطفال بالعربية، ثم تطور حلمها إلى تأسيس دار نشر «عالمكم»، التي كتبت ونشرت فيها أكثر من 50 قصة للأطفال بين سن الرابعة والتاسعة، قائلة: «كنت أترجم القصص الأجنبية للعربية وأقول لماذا لا نكتب نحن قصصنا، فقررت البدء بتأليف قصص تخدم التعليم وتغرس القيم المجتمعية في أطفالنا».
وبرضا تستذكر حمدة بدايات أزمتها: «لولا التصلب اللويحي لما حققت كل هذه الإنجازات، ولظللت مُدرسة عادية، أما اليوم، فأشعر بالفخر والسعادة لأن المرض لم يكن نهايتي، بل بدايتي الحقيقية لمرحلة حياتية جديدة شعارها: (اترك بصمة، واجعل من حياتك قصة تستحق أن تُروى)».
4 «هدايا»
حتى على المستوى الأسري، لم يقف المرض عائقاً أمام الكاتبة والناشرة الإماراتية، حمدة البلوشي، فبعد أن أخبرها أطباء أنها لا تستطيع الإنجاب مجدداً، رُزقت بأربع بنات بعد المرض، ليصبح لديها اليوم ستة أبناء، مضيفة: «كنت محظوظة عندما أخبرتني الطبيبة أن الحمل يقوي مناعة مرضى التصلب، فقررت تجاوز خوفي وخوض تجربة الحمل من جديد، فرزقني الله بعد المرض بأربع بنات».
حمدة البلوشي:
. كل يوم أستيقظ فيه دون ألم، هو نعمة يجب أن أستغلها، لصناعة أثر أو تكريس تغيير ما من حولي.
. لولا التصلب اللويحي، لما حققت كل هذه الإنجازات.. فقد عدت إلى حديقتي، لأزرع فيها مجدداً مع أطفالي الأمل.
. 2011 العام الذي بدأت فيه محنة «حمدة» فحوّلتها إلى منحة.
. 50 قصة للأطفال بين سن الرابعة والتاسعة نشرتها «حمدة».
