نتابع هذه الأيام أخبار صفقات تبادل الأسرى التي تتضمن الإفراج عن أعداد متتابعة من الأسرى الفلسطينيين مقابل أسرى الاحتلال المحتجزين لدى حركة حماس في غزة، وقد احتاج الفلسطينيون إلى تضحيات كثيرة في هذه المرحلة الجديدة من الصراع مما عرف بأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول للوصول إلى تحقيق هذا الهدف.
تحرر الأسرى بعض نتائج هذه الجولة من الصراع، مهما يكن ما سبقها من تدمير القطاع وتحويله إلى مكان منكوب، فالعدوان المفتوح مثّل فعلا تدميريا قصديا على المكان والعمران والإنسان، وخلّف عشرات الآلاف من الشهداء، بمن فيهم عدد من كبار القادة داخل غزة وخارجها.
إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين والمعاقين، وحالات لا نهائية من الأضرار النفسية المصاحبة للحروب الانتقامية التي يبرع فيها هذا المستعمر الأخير.
تعيدنا هذه الأحداث إلى ظاهرة الأسر والسجن في الحياة الفلسطينية المحوطة بالاحتلال وحتمية مجابهته، فمن الطبيعي أن يواجه الاحتلال بأشكال كثيرة من المقاومة، ويحاول المحتل من جهته إخفات صوت المقاومة، والتخلص منها.
سجان يمسك سجانا
يوجد على امتداد أرض فلسطين التاريخية عدد كبير من السجون والمعتقلات تمثل إحدى إستراتيجيات عنف الاحتلال في مواجهة أهل البلاد الأصليين، ومنها: سجن بئر السبع، سجن عسقلان، المسكوبية، الرملة، عوفر، نفحة، الدامون، جلبوع، شطة، هداريم، مجدو، النقب (كتسيعوت) وغيرها.
ويضاف إليها مراكز التحقيق والتوقيف التي تبدأ فيها رحلة الأسير/السجين بتعريضه لألوان من التعذيب النفسي والجسدي لانتزاع اعترافات ومعلومات تتعلق به وبالمجموعات المقاومة التي ينتمي إليها، قبل أن ينتقل إلى السجن وأحكام السنين الطويلة والمؤبدات المكررة.
تتوافر هذه السجون على ألوان من محاولات القتل وكتم الحياة، فهي ليست أماكن احتجاز فحسب، وهناك عشرات الحوادث عن الأسرى الذين استشهدوا وقضوا في المعتقلات بسبب الأذى والإهمال ومنع الدواء وقسوة مواجهة الإضرابات ونحو ذلك مما يتحمل الاحتلال مسؤوليته، ومما رصدته منظمات إنسانية محايدة أو شبه محايدة.
ولكن عين العالم تغمض حين يتعلق الأمر بإسرائيل فذنبها مغفور وتعديها على حقوق الإنسان لا تؤاخذ عليه ما دام ضد الفلسطينيين، في صورة سافرة من صور الانحياز والنظرة غير المنصفة للإنسان الفلسطيني والعربي والمسلم.
وقد بلغ العدد التراكمي للأسرى الفلسطينيين على مر السنين أكثر من مليون أسير، مما يدل على اتساع الظاهرة ودلالاتها في سياق الصراع مع الاحتلال، إلى جانب عنف الاحتلال في مواجهة حركات المقاومة بكل صورها، ولكل أسير من هؤلاء قصة وعذاب وتنكيل.
ولو أن هناك وسائل لتوثيق التجارب الإنسانية لأمكن بناء تراجيديا تعبيرية لا مثيل لها تخص هؤلاء وتخص أسرهم وأبناء شعبهم.
أدب الأسرى جزء من الحركة الأسيرة
ولد أدب الأسرى في ظلال الحركة الأسيرة، وأسهم في نشأته وتطوره عدد من الكتاب الأسرى، منهم من تحرر في صفقات التبادل ومنهم من أنهى مدة سجنه، ومنهم من يواصلون صمودهم داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية في انتظار ما قد يأتي به المستقبل.
وفي السنين الأخيرة اتسعت هذه الظاهرة وانتشرت بين الأسرى، ونشأ نوع من التدريب على الكتابة وما يشبه دورات الكتابة الإبداعية داخل المعتقلات والسجون، بحيث يتولى من يتقنون الكتابة تدريب غيرهم ممن يمتلكون التجارب التي تستحق التسجيل والتوثيق، مما يظهر نوعا من البيئة المشجعة للكتابة لمن يمتلك أدواتها ولمن يستطيع تطوير قدراته وموهبته ليمكنه تسجيل جوانب من التجربة.
وقد لفت ذلك انتباه عدد من دور النشر (مثل: دار الرعاة وجسور للنشر، ودار طباق، ودار الشروق (عمان ورام الله)، والدار العربية للعلوم ناشرون، إضافة إلى دار الآداب في بيروت، وغيرها)، ونشأ نوع من الترحيب بهذه الكتابات لأسباب متعددة، إلى جانب اهتمام الهيئات الأدبية كاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين ورابطة الكتاب الأردنيين، وغيرهما.
ويضم اتحاد الكتاب الفلسطينيين في عضويته عددا واسعا من الأدباء من الأسرى المحررين الذين ألفوا ووضعوا كتبا تتعلق بتجارب اعتقالهم وأسرهم، بل إن عددا من الأدباء والشعراء الفلسطينيين المعروفين قد تعرضوا لتجارب متفاوتة في الاعتقال والأسر وعبروا عنها في مؤلفات خاصة.
ذلك أن الأديب جزء من شعبه يتعرض لما يتعرض له ولكنه يمتلك مهارة نوعية تتمثل في المقدرة على معايشة التجربة والتعبير عنها بأقوى من الأسير الذي يفتقد هذه المقدرة فلا يجد سبيلا للتعبير الذي يمكن أن يشاركه مع الآخرين.
وفي هذا السياق، يمكن أن نراجع كثيرا من كتابات أدباء معروفين من مثل: محمود شقير، وعلي الخليلي، وعزت الغزاوي، والمتوكل طه، وعبد الناصر صالح، وأسعد عبد الرحمن، ومحمد خليل عليان، وغيرهم ممن كتبوا عن تجاربهم في العقود السابقة.
بل يمكن الرجوع إلى ظاهرة شعر المقاومة في ستينيات وسبعينيات القرن الـ20 لنجد لدى شعرائها الكبار قصائد تتعلق بالسجن والأسر فلقد مثلت هذه التجربة علامة مهمة من علامات المقاومة على امتداد تاريخها.
نحو تعريف موسع لأدب الأسرى
وبشكل تأسيسي يمكن تعريف أدب الأسرى استنادا إلى ما تسمح به التصنيفات النقدية والأدبية ونحسب أنها تسمح بوجود نوع أو صنف أدبي هو (أدب الأسرى) نسبة إلى الفئة التي تكتبه، سواء أكان ذلك أثناء فترة الأسر أم بعدها.
ويمكن إذا شئنا المعنى الأوسع أن نضم إليه كتابات تتخذ من الأسر موضوعا رئيسيا لها، دون اشتراط أن يكون المؤلف أسيرا.
ومن ذلك كتابات كثيرة أفاد فيها كتاب متمكنون من تجارب الأسر والسجن واستلهموها فيما يكتبون، سواء اعتمدت الكتابة على تجارب حقيقية تاريخية بعينها أو غيرها.
مثل فصول كتاب: جمر المحطات، لبسام الكعبي، فهو أشبه بكتابات مقالية سردية فيها بعض خصائص مقالة السيرة الغيرية دون أن تتسع لتكون سيرة وافية أو مطولة، وتشترك كل مقالة بأنها تتناول تجربة أحد الأسرى وصياغتها بالتركيز على البؤر المؤثرة فيها، وعلى مآلها الذي يظهر قدرا كبيرا من إهمال الأسرى بالرغم من تضحياتهم الجسيمة.
ويقرب من هذا اللون الكتاب الذي وضعه الباحث (إسماعيل رمضان) لتجسيد سيرة الأسير (حسن اللاوي) بوصفه أقدم سجين في فلسطين، إذ سجن منذ عام 1939 في أواخر حقبة الانتداب البريطاني، سجنه الإنجليز في سجن عكا، وبعد عام 1948 انقطع التواصل بينه وبين العائلة لظروف النكبة، وظهور دولة الاحتلال التي أبقته في سجنه، فتقدمت به السن وهو في السجن حتى تكللت الجهود بالنجاح في تحريره عام 1983 بعدما تجاوز سن الـ80.
فهذه السيرة التي بذل فيها مؤلفها جهدا دؤوبا تستند إلى تاريخ شفوي لشخصية أسير محدد لم توثق تجربته بالرغم من أهميتها وتاريخيتها. وهذا بعض مقصدنا من عدم اشتراط اجتماع التجربة والتأليف أو الكتابة معا، بل يكفي أن يتمحور الكتاب أو النص حول تجربة النص لنضمه إلى هذا اللون بأشكاله وتنويعاته المختلفة.
ومن أدب الأسر كتابات تخييلية (خصوصا في الرواية والقصة القصيرة) تجتهد في تمثيل واقعة الأسر المريرة وتجسيدها على نحو أدبي مؤثر (مثل رواية المسكوبية ورواية قط بئر السبع لأسامة العيسة على سبيل المثال)، ويستند المؤلف في مثل هذه الكتابات إلى تجارب وخبرات ووقائع متعددة، ولكنه لا يحافظ عليها وإنما يستلهمها ويتخذها سبيلا أدبيا لتمثيل واقعة الأسر كتجربة إنسانية أصيلة، ولا يتناول تجربة تاريخية أو واقعية محددة، بل يفيد من تقنيات الرواية وآفاقها التخييلية والتمثيلية دون أن يلتزم بالخلفية التوثيقية والتاريخية، إلا في حدود ما يسمح به النوع الروائي.
يا دامي العينين والكفين إن الليل زائل
ولربما تكون قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (عن إنسان) من ديوان (أوراق الزيتون) المنشور عام 1964 من النماذج الخالدة التي تستوحي السجن وتقاومه وتسقطه من حسابها:
“وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى
وقالوا: أنت قاتل
أخذوا طعامه والملابس والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى
وقالوا: أنت سارق
طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا: أنت لاجئ
يا دامي العينين والكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تموت
ستملأ الوادي سنابل”
فالمقطع الأخير في هذه القصيدة (يا دامي العينين والكفين/إن الليل زائل) يلخص مصير الاحتلال ويفتح طاقة للأمل، ويترك نشيدا يمكن لكل أسير ومعتقل أن يردده ويستعين به أمام عسف الاحتلال وقسوته.
عائشة عودة.. ثمنا للشمس وأحلام بالحرية
ومن العلامات الرائدة في أدب الأسرى ما وضعته الأسيرة المحررة والأديبة عائشة عودة (مواليد قرية دير جرير، رام الله عام 1944) في كتابين مترابطين ينتميان إلى أدب السيرة هما: ثمنا للشمس، وأحلام بالحرية.
تتميز تجربة عائشة عودة بالنضج والتأثير والفاعلية، ويعود ذلك إلى تكوينها الفكري والسياسي، وإلى أن الظروف حكمت بأن تختمر هذه التجربة وتنضج على مر السنين.
وقد عبرت في كتابيها عما عايشته أثناء فترة أسرها في نهاية ستينيات القرن الماضي بسبب مشاركتها في عملية فدائية ضد الاحتلال كانت من أوائل ما شاركت النساء بتنفيذه.
وحكمت بعدد من المؤبدات لكنها قضت 10 سنوات في السجن من (مارس/آذار 1969 وحتى مارس/آذار 1979 وخرجت ضمن عملية تبادل عرفت باسم عملية (النورس).
ويبدو أن عائشة عودة قد سجلت منذ مرحلة السجن بعض وقائع هذه التجربة واختزنت تفاصيلها ووقائعها وشخصياتها، وفكرت فيها طويلا، وعملت على إنضاجها خلال المراحل والسنين اللاحقة، وصولا إلى صياغتها صياغة أدبية محكمة ونشرها في الألفية الثالثة.
حيث نشرت الكتاب الأول (أحلام بالحرية) عام 2001، والكتاب الثاني (ثمنا للشمس) عام 2012. ولذلك فإن ما يستوقف القارئ ابتعاد المؤلفة عن الاستعجال، والميل إلى التأني والتريث والتأمل.
ولعل ذلك هو ما أنتج كتابين من أهم ما أنجز في مجال أدب السيرة الفلسطينية الأسيرة، بما فيهما من استخلاص الدلالات والتحليل والتأمل، والمزج بين سرد الوقائع والتفاصيل وما يستخلص منها في إطار أوسع هو إطار وعي المقاومة ومجابهة الاحتلال بل مجابهة الوعي الذكوري العربي الذي يتمثل في موقف المجتمع الفلسطيني نفسه من نضال المرأة وموقعها في حركة المقاومة.
يركز هذان الكتابان على دور المرأة، ولا يسجل تجربة المؤلفة وحدها، وإنما يتسع اتساعا قصديا ليشتمل على تسجيل تجربة ثمينة للجيل الأول من الأسيرات الفلسطينيات اللواتي عبدن طريق الصمود وعشن التجربة المرة بصبر وثبات.
فلقد حرصت المؤلفة على أن تكون سيرتها مجدولة بسير زميلاتها الأسيرات، وبالحياة التي اختبرنها في الاعتقال، وبكيفية مناهضة بيئة السجن ومنعه من سحقهن.
يضاف إلى ذلك هذا الأسلوب السردي المتدفق بالحياة والحيوية والتشويق، فكأن الزمن مكنها من تجاوز الانفعال الأول إلى مستويات معمقة من التأمل والسرد التحليلي، والوعي بالمشاركة الجماعية، وتمييز درجات متعددة من الصراع مع المحتل من جهة ومع القوى الرجعية والثقافة المحلية من جهة ثانية.
وليد الهودلي.. ستائر العتمة
تخصص وليد الهودلي (مواليد مخيم الجلزون 1960) في كتابة الأسر والسجن، وهو الذي عاش هذه التجربة المرة عدة مرات، وأمضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال، وبعد تحرره اتجه إلى التعبير عن تجربته وعن تجربة الأسر والسجن بشكل أعم في عدد من الروايات والمؤلفات.
ومن أبرز أعماله رواية (ستائر العتمة) التي تروي قصة 3 شبان فلسطينيين سمتهم الرواية (عامر، ونبيل، وإبراهيم) شكلوا خلية مقاومة ونفذوا إحدى العمليات ضد الاحتلال، ولكنهم لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم في الاعتقال والأسر.
ركزت الرواية على تقديم وصف لعملية الاعتقال وملابساته بالرغم من كل الاحتياطات والوعي الأمني عند المقاومين المدربين والمستعدين للمواجهة.
ويمثل عامر شخصية الراوي إلى جانب دوره في الأحداث، فهو الراوي والشخصية التي تسيطر على الفعل والسرد، يروي وقائع 90 يوما بين غرف التحقيق في (المسكوبية) و(عسقلان).
أهمية هذه الرواية في تسجيلها لمرحلة اعتماد طريقة العنف والتحقيق النفسي وما ينطوي عليه من أساليب للإيقاع بالأسرى ودفعهم إلى الاعتراف.
وتقدم الرواية في فصولها بشكل متدرج صورة ضافية عن تلك الأساليب، حيث المحققون المدربون يتناوبون على الأسير، ليمنعوه من النوم أياما وليالي لعله ينهار ويعترف.
ولا يكتفون بالأسئلة والتدقيق معه، وإنما يلجؤون لأساليب متعددة للاحتيال والخديعة، منها أساليب “العصافير” الذي يعني استعمال شخصيات أخرى يؤدون أدوار معتقلين مقاومين وهم في الحقيقة عملاء للاحتلال، أو أنهم وقعوا في براثن الأعداء فامتثلوا للقيام بما يطلب منهم.
ويبدو في ضوء الرواية أن هؤلاء قد صاروا طبقة لها فنونها وأساليبها التي تمرنوا عليها، وارتضوا دورهم دون حياء، وأطلق على واحدهم مسمى (عصفور) كناية عن نقل المعلومات وأحوال السجين إلى المحققين.
وربما جاءت التسمية من رمزية طائر الهدهد في قصة النبي سليمان عليه السلام مع بلقيس ملكة سبأ، عندما نقل الهدهد أخبار بلقيس لسليمان وكان لهذه المعلومات دور كبير في الإحاطة بأمرها وتطور علاقة سليمان بها.
ينجح عامر بطل الرواية في الامتناع عن الاعتراف رغم مرضه، مستعينا بإيمانه وبتدريبه السابق وبخبرته فهو سجين سابق، خبر أساليب التحقيق واستعد لها، بينما رفيقاه نبيل وإبراهيم أقل خبرة منه، ولذلك فقد خدعا واحتال عليهما (العصافير) ونقلوا ما لديهما للمحققين.
يقيم عامر الأمور في الفصل الأخير ويعود للاقتراب من زميليه، بالرغم مما حصل معهما، وتبادلهما الاتهام كل يتهم الآخر بأنه المتسبب في الإيقاع بهما. يتجاوز عامر ذلك، مؤملا الاستفادة من هذه التجربة المريرة لمزيد من الصمود والمواجهة.
تكشف الرواية عن شخصيات المحققين وأدواتهم وأساليبهم والأدوار التي يمثلونها والأساليب المتنوعة التي يجربونها بما في ذلك التهديد بجلب الأمهات والأخوات والزوجات إلى السجون للتحقيق.
وبما في ذلك أساليب رخيصة كما في دبلجة صور لعامر مع المحققة، التي التقاها في تحقيق عسقلان، والتهديد بنشر الصور المزيفة وإرسالها إلى أسرته ومعارفه، ولكنه يناقشهم في أساليبهم وأنه غير مهتم بها وأنها مكشوفة ومعيبة، فلا يقع فريسة لمثل هذا الأسلوب.
الرواية إجمالا إطلالة على السجن خصوصا في أساليب التحقيق والضغط النفسي ودور العصافير أو المخبرين الذين يأخذون هيئة الأسرى والمساجين لخديعة غيرهم واستدراجهم لأخذ معلومات أخفاها المعتقل عن المحققين، إنهم أعوان للمحققين ولكن بصورة تمثيلية مرعبة.
أسلوب الرواية يميل إلى البساطة والوضوح، فيها من تقنيات الرواية التركيز على الاسترجاع والتذكر، عندما يلجأ المعتقل إلى ذاكرته يحاول أن يستعين بها لترتيب الأفكار والأحداث والتفاصيل، وفيها أيضا تركيز شديد على عنصر الحوار، ولكنه ليس حوارا متكافئا أو عادلا ذلك أنه حوار موقوت بين المحقق والسجين.
هذا اللون من الحوار المختلف والخاص لا يحضر إلا في مثل هذا الأدب، حوار فيه حيل وفيه أساليب نفسية تكشف عن التدريب النوعي الذي حصل عليه المحقق، بهدف الاستدراج وانتزاع الاعتراف.
في المقابل تتفاوت الاستجابة وتتحدد إستراتيجية المواجهة بمقدرة الأسير على الصمود وعلى إبطال حجج المحقق وأسئلته، وعدم التفاعل معها وأخذها على محمل الجد، بل يمكنه أيضا أن يسأل وأن يحرج المحقق كي لا يظل مسيطرا على مجرى الكلام.
خصوصا عندما يبتعد عن موضوع التحقيق إلى موضوعات أخرى سياسية كأن يحدثه عن السلام ويحاول خداعه بأنه ممن يؤيدونه ويؤيدون حقوق الفلسطينيين وقيام الدولة الفلسطينية، ونحو ذلك من كلام معسول، أملا في فتح ثغرة في وعي المعتقل، أو إنشاء نوع من الثقة تسمح له بالعبور إلى الأسير، ذلك الصندوق المقفل الذي يحاول فتح أسراره بكل السبل.
الأمر الآخر هو التركيز على الجانب النفسي، على داخل السجين والأسير بصفة خاصة، فهو يتعرض لضغوط نفسية تحتاج إلى استعداد وتدريب قبل أن يقع في مثل هذه التجربة، ولعل تنامي أدب الأسرى وكثرة كتاباته تشكل ضربا من الثقافة والتهيئة اللازمة لتمثيلات متخيلة وواقعية من تجارب التحقيق والاعتقال والأسر.
إنه أدب مقاوم سواء بعرضه نماذج القوة أو الضعف، فالأولى تعلم الصمود بطريقتها وبأساليبها، والثانية تعلم كيفية تجنب لحظات الضعف ومواقفها وأمثلتها المتوقعة.
وليد دقة.. حكاية سر الزيت
وليد نمر دقة (مواليد باقة الغربية 1962، استشهد بسبب الإهمال الطبي في 7 نيسان/أبريل 2024) وهو أسير وأديب ومثقف مشتبك مع الاحتلال بطريقة نادرة، بدأ نضاله خارج السجن في أرض فلسطين المحتلة، في بلدته باقة الغربية، ولم تقنعه أوراق الجنسية (الإسرائيلية) وميزها عن الهوية الفلسطينية حتى لو كانت دون أوراق.
وواصل نضاله في الاعتقال طوال نحو 4 عقود قضاها في عدة سجون، واجه واقع الأسر بالثقافة والكتابة والنضال داخل السجون، فترك عدة كراسات وكتابات فكرية وأدبية مهمة تمثل خلاصة لفكره وتجربته العميقة القاسية، منها على المستوى الفكري كتاب (صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب) الذي يعد مواجهة فكرية خاصة ومعمقة مع عقلية السجان الصهيوني.
ومن كتاباته الأدبية رواية للفتيان حملت عنوان (حكاية سر الزيت) ربما تكون أول رواية للفتيان مما ينتمي لأدب الأسر والسجن، وقد بذل فيها جهدا فكريا وأدبيا لإيجاد أسلوب أدبي يلائم الفتيان وفي الوقت نفسه يحيط بتجربة الأسر الظالمة.
تبدأ الرواية بعتبة دالة تقدم أحد مسوغات أو دوافع الكتابة بالنسبة للأسير: “أكتب حتى أتحرر من السجن على أمل أن أحرره مني”.
ويهديها الكاتب إلى “جود حتى يعيش طفولته وإلى كل الأطفال الذين أصبحوا رجالا ونساء بالغين قبل أوانهم. إلى كل البالغين الذين حرمهم السجن طعم الطفولة”.
توفرت لهذه الرواية أسباب النجاح، باعتمادها على شخصية الفتى جود، وأشركت معه الحيوان والطير والشجر الفلسطيني في الحكاية، ودمجت بين الواقعي والخيالي والرمزي لإنتاج مروية دالة، بالرغم من اعتمادها على الخيال إلا أنها ترى أن السر الذي سيحرر المستقبل هو العلم، والتعليم والمعرفة. فالعلم هو السلاح الأهم في المعركة المستمرة.
وإلى جانب هذه الرؤية قدمت الرواية تكثيفا لمعاناة الإنسان الفلسطيني خصوصا عائلات الأسرى الذين يمنع الاحتلال زيارتهم ويتفنن في تعذيبهم. وفيها رؤية سياسية كذلك، وفيها إشارات إلى الواقع الفلسطيني بعد أوسلو كالحديث عن التنسيق الأمني، وعن الضباط الشرفاء الذين لا يحتملون ما يتعرض له شعبهم فيختارون ترك الأجهزة الأمنية عندما تغدو أعوانا للاحتلال.
المستوى السياسي خفيض كي لا يفسد الحكاية ويبقيها في مستوى الوعي الملائم للفتيان. وفيها أحلام وتشوق إلى الحرية، بلغة تضفر الخيال بالواقع، وتظل متفائلة بالرغم من قسوة ظروف المؤلف ووحشة الواقع الفلسطيني الراهن.
في مواجهة شرور الكولونيالية
ومؤدى الكلام أن ظاهرة الأسر والاعتقال مظهر من مظاهر الصراع بين قوى الاحتلال الصهيوني والإنسان الفلسطيني الذي ينخرط في مقاومة الاحتلال، ويحاول التمسك بهويته والدفاع عن وجوده أمام محاولات المحو والتذويب.
وإذا عددنا دولة الاحتلال نظاما استعماريا كولونياليا بل ربما خلاصة الشر الكولونيالي لأنها ورثت ادعاءات القوى الكولونيالية فيما يمتلكه الآخرون، وورثت استعمال القوة في السيطرة وفرض الأمر الواقع، لتؤسس وجودها غير الشرعي استنادا إلى “شرعية” مؤقتة محوطة بالجبروت والاستبداد، بالرغم من غوغاء الديمقراطية والتقدم والحداثة.
إنها حداثة المستبد في استعمال أحدث الأساليب والأسلحة لإسكات أصوات المضطهدين ومنعهم من رفع أصواتهم وتقديم روايتهم عن حدث الاحتلال وشرعيته المزعومة.
وتفترض طباقية إدوارد سعيد أن نفتش عن الحقيقة في القطاع الآخر المخفي، وهو في حالة احتلال فلسطين ما يتمثل في كتابات الضحايا والشهود أي في الكتابة الفلسطينية التي يحاول العدو أن يغطي عليها ولا يسمح بوصولها أو إسماعها إلى العالم وإلى الأجيال الجديدة ممن لم يشهدوا مراحل الاحتلال وبدء الصراع.
ولربما ينطبق ما سبق على الأدب الفلسطيني بعامة بوصفه أدب مقاومة يهدف فيما يهدف إلى الدفاع عن الوجود الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، ويحاول مواجهة تلك “المتاهة الكولونيالية” بصورتها الصهيونية المدججة بالقتل والمحو وتهديد التهجير.