كانت هدية عيد ميلاد رائعة في ديسمبر، فقد بدأت شركة التكنولوجيا الهولندية «إيه إس إم إل» بشحن 250 صندوقاً إلى ولاية أوريغون لتركيب جهاز بقيمة 350 مليون يورو لصالح شركة إنتل الأمريكية لصناعة الرقائق.

ومن المحتمل أن يكون الجهاز الذي يحمل اسم «توينسكان إكسي: 5000» من أكثر المعدات تعقيداً على الإطلاق. ويزن هذا الجهاز ما يعادل طائرتي «إيرباص إيه 320»، واستغرق تطويره عقداً من الزمن، وسيحتاج إلى 250 مهندساً لتشغيله في العام المقبل.

لكن ما الغرض منه؟ طباعة خطوط صغيرة بحجم 8 نانومترات على رقاقة سيليكون، مقارنة بـ13 نانومتراً في الطرازات السابقة. قد يبدو هذا وكأنه اختلاف صغير جداً، وهو كذلك بالفعل، لكن سيكون له تداعيات هائلة.

ومن خلال توظيف آخر تحديث لتكنولوجيا الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة، يمكن لشركة «إيه إس إم إل» إتاحة تعبئة ترانزستورات أكثر بمقدار 2.9 مرة على الرقاقة، ما يؤدي إلى تحسين قوة الحوسبة والذاكرة وكفاءة الطاقة بشكل كبير. وسيستخدم العديد من هذه الرقائق لتلبية الطلب الذي لا يتوقف من جانب شركات التكنولوجيا التي تطور أحدث خدمات الذكاء الاصطناعي، ما يضع الجهاز الذي تخترعه «إيه إس إم إل» في منظور مثير للاهتمام يمكن من خلاله رؤية تطور الاقتصاد التكنولوجي الجديد.

وقبل أكثر من عقد من الزمان، أعلن مستثمر رأس المال المغامر الشهير مارك أندريسن أن البرمجيات تأكل العالم، لكن الأجهزة اللازمة لتشغيل هذا البرنامج لا تزال نهمة وتزداد نهماً، يعتقد بعض المستثمرين الآن أن الأجهزة قد تكون رهاناً أكثر ضماناً من البرامج عندما يتعلق الأمر باستغلال ثورة الذكاء الاصطناعي، هذه استراتيجية «الالتقاط والمجرفة» الكلاسيكية خلال حمى الذكاء الاصطناعي.

من الجدير بالذكر أن القيمة السوقية لأسهم «إيه إس إم إل» تبلغ الآن 1.85 مرة من قيمة أكبر شركة برمجيات في أوروبا، وهي شركة «إس ايه بي». وبالمثل، تجاوزت القيمة السوقية لشركة تصنيع الرقائق الأمريكية إنفيديا، التي تبيع وحدات معالجة الرسومات التي تشغل أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، مؤخراً، قيمة شركتي ألفابيت وأمازون.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه أي» الذي ساعد في إشعال ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد إطلاق «تشات جي بي تي»، أشار سابقاً إلى الحاجة إلى استثمار ما يصل إلى 7 تريليونات دولار، لإنتاج الرقائق، والطاقة، ومراكز البيانات لإدارة اقتصاد التكنولوجيا في المستقبل.

وإذا لم يكن ذلك من أوهام ألتمان، فإن هذا سيتطلب كمية هائلة من المعدات الجديدة. ووفقاً لأحدث التقديرات، أنفقت شركات الرقائق الإلكترونية أكثر من تريليون دولار على معدات تصنيع الرقائق منذ ولادة هذه الصناعة.

والآن، كما أشار زميلي جون يون، فقد يبالغ المستثمرون كثيراً في حماسهم تجاه شركات أجهزة الذكاء الاصطناعي. وهناك ضجيج مفرط بشأن تأثير هذه التكنولوجيا، وهناك طاقة إنتاجية زائدة في عدة قطاعات من صناعة أشباه الموصلات التي تشهد تقلبات دورية كبيرة، كما أن هناك مخاطر جيوسياسية مرتبطة بالصين، إحدى أكبر أسواق الرقائق في العالم، والتي تتعرض لضغوط بسبب قيود التصدير الأمريكية؛ لذلك من المحتمل أن نشهد تصحيحاً مفيداً للسوق في الفترة المقبلة.

ولكنْ هناك اعتقاد بأن الطلب طويل الأجل على منتجات شركات الأجهزة المتطورة سيظل قوياً؛ لأن القيام بما تفعله شركتا «إنفيديا» و«إيه إس إم إل» صعب للغاية ومكلف، ففي العام الماضي أنفقت «إيه إس إم إل» 4 مليارات يورو على البحث والتطوير، بهدف تمديد الزيادة الهائلة في قوة الحوسبة، والمعروفة باسم قانون مور، خلال العقدين المقبلين.

وفي مقابلة مع «فاينانشال تايمز» العام الماضي، تحدث بيتر وينينك، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إيه إس إم إل»، عن «الزيادة الهائلة في التعقيد» في تصميم الرقائق اللازمة الآن لإبقاء قانون مور على قيد الحياة، وقد خلق هذا التعقيد حواجز هائلة أمام الدخول إلى الصناعة.

ويمكن وضع شركة «إيه إس إم إل» «شبه الاحتكاري»، على حد تعبير أحد المحللين، الشركة من السيطرة على هوامش ربح تزيد على 50 %. علاوة على ذلك، ربما يكون ألتمان على حق تقريباً بشأن مسار الرحلة، حتى لو كان -مثله مثل أي شخص آخر- مخطئاً تماماً بشأن سرعة الرحلة. وقال بريت سيمبسون، الشريك في شركة آريتي للأبحاث: «نحن في سباق تسلح لتطوير الذكاء الاصطناعي على نطاق لم نتخيله من قبل».

بالنسبة للوقت الحالي، ما زلنا في المرحلة البحثية المبكرة للذكاء الاصطناعي؛ حيث تقوم شركات التكنولوجيا بتعديل نماذجها، كما يقول سيمبسون، لكننا سندخل قريباً مرحلة الانتشار، إذ ستسعى كل شركة تقريباً وإدارة حكومية إلى تبني الذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «ستكون هناك دورة استثمار مدتها عقد من الزمان.. سنشهد ابتكاراً هائلاً». وتابع: «لم نبدأ حقاً مرحلة الانتشار بعد، وهذا هو الوقت الذي سينطلق فيه المستثمرون».

وكما هي الحال دائماً، يكمن التحدي في التمييز بين دورة السوق الروتينية وتحول الأعمال طويل الأجل، بغض النظر عن تقلبات السوق قصيرة المدى، سيكون من غير الحكمة المراهنة ضد هذا التحول.

شاركها.
Exit mobile version