يتوقع المحللون والأشخاص المشاركون في المفاوضات ألا تؤدي خطط الاتحاد الأوروبي لتداول المشتقات المالية عبر أسواقه إلى إبعاد شريحة كبيرة من أعمال المقاصة المربحة عن مدينة لندن، بعد تراجع المشرعين في الكتلة.
وأصبحت أعمال التحقق من صلاحية المعاملات المالية ساحة لمعركة سياسية منذ تصويت المملكة المتحدة عام 2016 على الخروج من الاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه الذي يسعى فيه الاتحاد إلى التخلص من هيمنة لندن الكبيرة على مقاصة المشتقات المالية المقومة باليورو، وتعزيز مرونة أسواقها المالية.
لكن القواعد التي تم الاتفاق عليها، منذ أيام، بعد سنوات من الخلافات، ينظر إليها على أنها تراجع من قبل بروكسل عن طموحاتها القديمة للاستحواذ على المزيد من أعمال المقاصة، إثر تقويضها بسبب التوترات الفرنسية الألمانية، ورد الفعل المضاد من صناعة التمويل.
وقال ويليام رايت، مؤسس مركز الأبحاث نيو فاينانشيال، إن الصفقة «سهلة نوعاً ما ولن تؤدي إلى تحول كبير حيال ما يحدث خارج لندن»، مضيفاً إن الاتحاد الأوروبي يمكنه الادعاء بتحقيق الاستقرار المالي رغم المخاوف المثارة حوله.
ولا تلفت غرف المقاصة النظر كثيراً إليها، ولكنها تعتبر جزءاً مهماً في السوق المالي من خلال وجودها بين المشتري والبائع في التجارة، فهي مصممة لتقليل المخاطر من خلال وقف حالات التخلف عن السداد بالنظام.
وسيطرت لندن، وهي المركز المالي الأشهر في أوروبا، على هذه الأعمال منذ فترة طويلة عبر غرفة المقاصة الكبيرة التابعة لمجموعة بورصة لندن المعروفة بوفورات الحجم التي تساعدها في جذب العملاء. وحتى المشتقات المالية المقومة باليورو، وهي سوق بلغت إجمالاً 172 غرفة مقاصة في بورصة لندن مع أكثر من 90 في المائة من التداولات. وتقدر الغرفة أن نحو 30 في المائة من أعمالها في هذه السوق تأتي من الاتحاد الأوروبي.
وبموجب القواعد الجديدة، ينبغي على البنوك الموجودة في الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الأخرى فتح ما يسمى بالحسابات النشطة في غرفة مقاصة بالكتلة، والتي ستتعامل مع فئات المشتقات المالية التي يعتبرها المشرعون نظامية.
وسيتم وضع الحد الأدنى للتداولات التي يجب تسويتها من قبل الاتحاد الأوروبي بخمس صفقات لكل فئة من فئات المشتقات، ويعتمد هذا أيضاً على قيمة الصفقات المنجزة، والتي يمكن أن تؤدي إلى ما يصل إلى 900 صفقة سنوياً، وفقاً للمسؤولين.
وقال البعض إن الشركات التي تتداول بأكثر من 100 مليار يورو سنوياً سيتعين عليها الالتزام بتلك الحصة كل ستة أشهر، في حين أن الشركات التي تتداول بقيمة تتراوح ما بين 6 مليارات يورو و100 مليار يورو عليها أن تلتزم بذلك كل شهر. وكان الذين مارسوا أعمال الضغط من أجل القيام بمزيد من المقاصة في الاتحاد الأوروبي يأملون في توجيه المزيد من الصفقات عبر الكتلة. وقال أحد المشاركين في المفاوضات بشأن المستويات المتفق عليها: «إنه حقاً أمر مخيب للآمال، ومستوى التوقع ليس عالياً لدرجة أن يحدث فرقاً». وتضمنت المقترحات السابقة توضيح الاتحاد الأوروبي للحدود المئوية للتداولات، لكن تم إسقاط تلك الإجراءات. وقال مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي: «الاتفاق لم يلب الطموحات التي أردناها، وهذا واضح جداً».
وتعود طموحات وضع الحد الأقصى للتداولات إلى وقت الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ قال الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند، بعد أيام قليلة من التصويت عام 2016، إن لندن لم يكن من المفترض أن يعود بمقدورها القيام بأعمال المقاصة للتعاملات المقومة باليورو. ومع ذلك، لوحظ حدوث تغير في الموقف الفرنسي بشكل كبير، ما أسفر عن وجود توترات مع ألمانيا.
حدث ذلك بعد ضغط البنوك ومديري الأصول الفرنسية، فيما اعتقد البعض بوجود عامل آخر وهو احتمالية أن تكون البورصة الألمانية، التي تملك غرفة مقاصة يوريكس، هي الفائز الأكبر بأعمال المقاصة التي تنتقل إلى الكتلة.
واتهم ماركوس فيربر، النائب الألماني في البرلمان الأوروبي، فرنسا بنسف صفقة بعيدة المدى عن طريق خدمة مصالح اللوبي المصرفي الفرنسي، وأعرب عن قلقه بشأن التكاليف المرتفعة المحتملة لابتعاد المقاصة عن لندن. وقال: «أشعر بخيبة أمل حقيقية»، مضيفاً إن الصفقة «فرصة ضائعة لتعزيز غرف المقاصة، وتقوية أنظمتنا». وتابع فيربر: «لم تفكر الحكومة الفرنسية في المصلحة الأوروبية مجدداً، بل أظهرت أنها أفضل حليف للبنوك الأمريكية الكبرى».
وقال شخص شارك في المناقشات إن فرنسا كانت مهتمة بتجنب تحول أعمال المقاصة إلى فرانكفورت أكثر من نقلها إلى الاتحاد الأوروبي. ومن جانبها، لم ترد وزارة المالية الفرنسية على طلب بالتعليق.
والمقاصة هي المجال الوحيد الذي منح فيه الاتحاد الأوروبي «معادلة» تنظيمية مؤقتة للندن منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتستمر حتى يونيو 2025، ما يسمح لقوة مقاصة المدينة بمواصلة التعامل مع تداولات المشتقات المقومة باليورو.
وبدورها، تعهدت مفوضة الخدمات المالية بالاتحاد الأوروبي ميريد ماكجينيس بعدم توسيع نطاق الوصول بعد ذلك، لكن المشاركين في السوق يعتقدون أن منح الوصول سيستمر. وقال شخص مقرب من غرف المقاصة الأوروبية: «من غير المرجح ألا يتم تمديد المعادلة»، مضيفاً إن الأمر سيكون مكلفاً جداً بالنسبة للبنوك لنقل معاملاتها إلى الكتلة.
واعترضت البنوك ومديرو الأصول والوسطاء بشدة على إبعاد المقاصة إجبارياً عن لندن، موضحين أن الانفصال سوف يزيد التكاليف عليهم ويجعل قدرتهم على المنافسة ضعيفة، لكنهم يرحبون في الوقت ذاته بالقواعد الجديدة باعتبارها أقل إرهاقاً مما كانوا يتوقعونه.
وقالت سوزان يافاري كبيرة مستشاري السياسات التنظيمية في الجمعية الأوروبية لإدارة الصناديق والأصول: «نحن سعداء جداً، لقد وصلنا إلى مكان جيد أكثر مما كنا نتوقعه نظراً لأن القرار كان سياسياً في النهاية». وكانت هناك خشية كبيرة بين أعضاء الجمعية من تحويل أحجام أكبر إلى غرف المقاصة بالاتحاد الأوروبي.
ورحبت مجموعة بورصات لندن بالمقترحات، لكنها أضافت إن شركات الاتحاد الأوروبي لا تزال قلقة بشأن الحاجة إلى فتح حسابات في الكتلة. ولفت إيان وايت، المحلل في «أوتونومس ريسيرش»، إلى تراجع الاتحاد الأوروبي عن فرض إجراءات أعمال المقاصة عبر الكتلة، موضحاً بالقول: «قد يكون هذا فوزاً جيداً للندن وربما يبدأ في تحقيق بعض الاستقرار للمشاركين في السوق الذين يحبون التعامل من خلال لندن».
