قد يواجه البنك المركزي الأوروبي نوعين من التضخم: الأول الخاص بالأسعار، والآخر، في مسميات الوظائف، وفق مزاعم.
وادعى مصرفي سابق في «مورجان ستانلي» خلال ديسمبر الماضي، أنه تلقى تعليمات من رؤسائه بتولي لقب «مسؤول تجارة القروض» شكلياً فقط، لخداع الجهات الرقابية وإيهامها أن البنك نقل موظفين كباراً إلى الاتحاد الأوروبي، امتثالاً لقواعد ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو الدعاء الذي ينفيه البنك، فيما يشتبه المحللون في وجود حالات مماثلة بين البنوك الاستثمارية العالمية الأخرى.
قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت البنوك الدولية تستخدم لندن قاعدة لعملياتها على مستوى أوروبا. أما الآن، وبعد انتهاء ما يسمى بحقوق «جواز السفر» اضطرت هذه البنوك إلى افتتاح أو توسيع عملياتها داخل الكتلة.
إضافة إلى ذلك، يريد البنك المركزي الأوروبي أن تتم إدارة مخاطر الميزانية العمومية داخل الاتحاد الأوروبي من قبل موظفين كبار في الكتلة، وليس بواسطة مديرين في المملكة المتحدة، وقد أجرى البنك المركزي الأوروبي رسم خرائط مكتبية لتحسين الامتثال.
لكن بالنسبة للعديد من البنوك فإن إضافة أو نقل موظفين كبار إلى الكتلة لا معنى له تجارياً عندما يظل الجزء الأكبر من أصولها ونشاطها الدولي في لندن. بالنسبة لهم أنها مجرد إحدى اللوائح التي تحاول شركات الخدمات المالية متعددة القنوات، أن تناور فيها، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقاومت الصناعة التغيير إلى حد كبير من خلال جماعات الضغط، رغم وجود أمثلة أيضاً على محاولات تجنب إبداعية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حققت الصناعة انتصاراً عندما أعلن الاتحاد الأوروبي أحكاماً جديدة تسمح للمتداولين في التكتل بمواصلة التعامل مع غرف المقاصة في المملكة المتحدة، وقد أثار هذا الأمر الآمال في أن الموعد النهائي لعام 2025 لنقل تجارة بقيمة تريليونات اليورو إلى الاتحاد الأوروبي للتسوية قد يتم تمديده مرة أخرى.
إن تقسيم المقاصة أو التسويات المالية بين لندن وأوروبا القارية سيضر في النهاية بالسيولة المالية، ويزيد المخاطر ويرفع التكاليف. وبعد مذكرة التفاهم بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن التعاون التنظيمي في الخدمات المالية الموقعة في يونيو الماضي، يعد قرار المقاصة إشارة إيجابية على الواقعية وتحسين العلاقات بين لندن وبروكسل وقد بدأ الطرفان إدراك أن تجزئة تجارة الخدمات المالية المترابطة للغاية عبر الحدود ليس بالأمر السهل ولا المرغوب فيه.
وتتعلم بريطانيا أيضاً أن المكاسب من التباعد عن اللوائح المالية للاتحاد الأوروبي، التي أسهمت في تشكيلها، ليست كبيرة كما اعتقد الساسة في البداية. وكانت إحدى الخطوات القليلة البارزة التي اتخذتها المملكة المتحدة، إلغاء السقف الذي وضعه الاتحاد الأوروبي على مكافآت المصرفيين. وكانت هناك بعض الجهود المعقولة لتقييم المجالات التي يمكن أن يكون فيها الاختلاف منطقياً، بما في ذلك في أسواق الجملة، وتنظيم التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة.
وفي مجالات أخرى، توصل الاتحاد الأوروبي إلى استنتاجات مماثلة بعد مراجعاته الخاصة، على سبيل المثال، يقوم كلاهما بتخفيف قواعد الملاءة المالية الثانية على شركات التأمين لتوفير التمويل للاستثمارات الرأسمالية. في الوقت نفسه، وجد الاتحاد الأوروبي أن أخذ الأعمال من لندن ليس بالأمر السهل. تظل بريطانيا مركزاً مالياً عالمياً رائداً. ومن أصل 11 تريليون جنيه استرليني من الأصول المدارة هناك، يدير أقل من نصفها بقليل مستثمرون دوليون، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.
وتتنافس الكتلة مع مزايا لندن الراسخة، بما في ذلك اللغة والنظام القانوني والتوقيت الزمني. لقد فقدت المدينة بعض الأعمال والوظائف لصالح أمستردام وباريس وفرانكفورت، لكن الضربة لم تكن بالغة كما كان متوقعاً، ولم تضر بصورتها. تظل لندن رائدة عالمياً في تداول العملات ومشتقاتها، وبعد محاولات من كلا الجانبين لانتزاع التقدم من الجانب الآخر دون جدوى، يجب أن تمضي كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الآن في بذل جهود أكبر لزيادة التعاون في التنظيم المالي.
إن سهولة وصول لندن إلى الأسواق الأوروبية يعود بالنفع على الاتحاد الأوروبي لقربه الجغرافي من هذا المركز المالي. بالتالي، العلاقة الأكثر استقراراً مع الحد الأدنى من القيود على حرية حركة الأموال أفضل لكليهما.
وبعد أن تحررا من هذه المناكفة، أصبح بإمكان الطرفين الآن التركيز على أمور أخرى، مثل تعزيز الدور المحلي لأسواق رأس المال حيث تكون المكاسب الاقتصادية أكبر بكثير.