طالب مناصرو التكامل الوثيق لدول الاتحاد الأوروبي، منذ سنة 1979، وهي التي شهدت أول انتخابات مباشرة للبرلمان الأوروبي، بمنحه مزيداً من السلطات من أجل تحسين فعالية التكتل وزيادة مساحة المُساءلة الديمقراطية. وأدّت الإصلاحات المتعاقبة، التي تكللت بمعاهدة لشبونة في سنة 2009، إلى منح البرلمان دوراً أكبر في صناعة سياسة الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من افتقاره السلطات الشاملة التي تتمتع بها الكيانات التشريعية في الديمقراطيات في أنحاء العالم، فإنه يتمتع بتأثير كبير في أنشطة الاتحاد الأوروبي كافة تقريباً.

واليوم، وبينما تبعدنا أربعة أشهر عن الانتخابات العاشرة للبرلمان، يبدو كأنه قد يتحول المرة الأولى إلى عقبة في طريق طموحات الاتحاد الأوروبي، بدلاً من كونه وسيلة لتعزيزها. وفي وقت تجابه فيه أوروبا مواقف روسيا، وتوترات مع الصين، واحتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، من المنتظر أن تسفر انتخابات الاتحاد الأوروبي عن تداعيات ضارة بتلاحم أوروبا وتأثيرها ومكانتها العالمية.

ومن المُتوقع فوز الأحزاب اليمينية المتشددة، في التكتل البالغ قوام أعضائه 27 دولة، بما يكفي من المقاعد لتغيير توازن القوى في البرلمان، على نحو لم يشهده البرلمان منذ معاهدة روما التي أسست الاتحاد الأوروبي، وهيمنت أحزاب يمين الوسط والليبراليين ويسار الوسط، طيلة عقود، على البرلمان، ما سمح بتبني سياسات اندماجية، ذهبت إلى ما هو أبعد مما رغبت فيه الكثير من الحكومات الوطنية في كثير من الأحيان.

وهكذا، من المرجح انكماش الأغلبية الوسطية بعد انتخابات يونيو. ووفق بعض التوقعات، سيحل اليمين المتشدد في المرتبة الأولى في ما يصل إلى تسعة بلدان، كما سيحل في المرتبة الثانية والثالثة في تسع دول أخرى، وبذلك، سيكون اليمين المتشدد في وضع يسمح له بعرقلة أو تغيير سياسات في نواحٍ مركزية بالنسبة لمستقبل أوروبا، وشعور الاتحاد الأوروبي بالمهمة التي تقع على عاتقه.

ويتجلى ذلك في مسائل مهمة مثل الهجرة واللجوء، وسيادة القانون، والتغير المناخي، والتجارة الدولية، وموازنة الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن التوسع المُقترح للكتلة شرقاً وفي جنوب شرقي القارة. وفي هذه الحالات، سيسعى اليمين المتشدد إلى تغيير محتوى أو اتجاه سياسات الاتحاد الأوروبي، بتوحيد الكلمة مع أحزاب يمين الوسط، التي أخذت تستعير على نحو متزايد موضوعات يعتنقها اليمين المتشدد عن الهوية الوطنية والسيادة، في محاولة لتعزيز قاعدة الدعم الانتخابي.

ولن يرقى التعاون بين اليمين المتشدد واليمين الأكثر اعتدالاً إلى مرحلة التحالف الرسمي، ولكن من المُرجح تزامن ذلك مع تمثيل أكثر بروزاً لليمين المتشدد في المؤسستين الأخريين البارزتين لصناعة القرار، وهما المفوضية الأوروبية التنفيذية والمجلس الأوروبي، اللذان يشتملان على الحكومات الوطنية.

وكلما تعاظمت مكاسب اليمين المتشدد في انتخابات الاتحاد الأوروبي، زادت قوة مطالبته بالعديد من الحقائب في المفوضية الجديدة، والتي ستُوزّع بعد التصويت وإعلان النتيجة، أما في المجلس الأوروبي، فتشكّل أحزاب اليمين المتشدد قوة دافعة، سواء داخل أو وراء الحكومات في المجر وإيطاليا والسويد، وستتبعها هولندا عما قريب، وربما أيضاً النمسا بعد انتهائها من الانتخابات في وقت لاحق من العام.

لقد انزلق الاتحاد الأوروبي نحو سياسات أكثر صرامة في ما يتعلق بالهجرة واللجوء، منذ أزمة اللاجئين والمهاجرين في سنتي 2015 و2016، ولكن هذا الاتجاه سيتفاقم بكل تأكيد بعد انتخابات يونيو. وفي ما يتعلق بسيادة القانون، قد تكون هناك صعوبة أكبر في إيجاد أغلبية داخل برلمان الاتحاد الأوروبي، تتبنى موقفاً قوياً ضد حكومة يُنظر إليها أنها مرتدة عن الديمقراطية، مثل حكومة فيكتور أوربان في المجر.

وبالنسبة للتغير المناخي، الذي يحب الاتحاد الأوروبي تصوير نفسه رائداً فيه على مستوى العالم، فسيصبح مجالاً لنزاعات شديدة، ومن المُستبعد التراجع عن القوانين التي سُنّت على مدى الأعوام الخمسة الماضية بموجب الصفقة الأوروبية الخضراء، ولكن التحوّل المُحتمل نحو اليمين في البرلمان الأوروبي قد يُرجئ أو يعرقل الخطوات المستقبلية، وهي ضرورة للوصول إلى أهداف التكتل المتمثلة في تحقيق صافي انبعاثات صفرية. وفي دليل على الاتجاه الذي تتجه إليه الأمور، قررت بروكسل، في الشهر الجاري، تقديم تنازلات للمزارعين المحتجين، تتعلق باستخدام المبيدات، والحفاظ على الطبيعة، ومُستهدفات خفض الانبعاثات الزراعية.

وثمّة مجال آخر تجدر متابعته، وهو التجارة، فهناك اتفاقية مُعتزمة منذ وقت طويل مع كتلة «ميركوسور» في أمريكا الجنوبية قد تُصاب بالشلل في ظل برلمان أوروبي أكثر ميلاً لليمين، وخاصة أن الاتفاقية تعاني مشكلات، ولن يكون من اليسير تحقيق تقدم في الإصلاحات المؤسسية والمتعلقة بالموازنة بعيدة المدى، المطلوبة لتحقيق توسّع الاتحاد الأوروبي شرقاً، ويظهر ساسة اليمين المتشدد كراهية كبيرة للمبادرة الفرنسية الألمانية، الرامية إلى توسيع تصويت الأغلبية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية والموازنة، لأن من شأن ذلك التقليل من صلاحيات الفيتو الوطنية.

وما بين أزمة ديون منطقة اليورو وأزمات المهاجرين، وحتى جائحة فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، استبسل الاتحاد الأوروبي في القتال، وحقق بعض النجاحات في الأعوام الخمسة عشر الماضية، في مواجهة طوفان من الأحداث التي هددت بالقضاء عليه، ولكن المختلف هذه المرة أن الإجماع الوسطي والتكاملي الذي دعم جهود الاتحاد الأوروبي في وجه هذه التحديات سيصير أكثر ضعفاً بعد يونيو.

شاركها.