خريطة التحالفات الجديدة وسيناريوهات الصراع العالمي المقبل
في كل مرة يشتد فيها التوتر بين القوى الكبرى يتردد سؤال مصيري في أروقة الدبلوماسية ومراكز صنع القرار: هل يقترب العالم من حرب عالمية ثالثة؟.
هذا السؤال ليس مجرد تخمين أو سيناريو افتراضي بل هو نتاج تراكمات جيوسياسية واقتصادية، وتنافس محتدم بين القوى العظمى وصراعات إقليمية تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى مضيق تايوان.
وبينما يختلف العالم اليوم عن مطلع القرن العشرين، تتشابه عناصر الصراع في جوهرها ومنها التنافس على النفوذ، وتشابك التحالفات والأزمات الاقتصادية، والتوترات التي يصعب احتواؤها دبلوماسياً.
في هذا التحليل الاستراتيجي، نحاول نرسم خريطة التحالفات الجديدة ونستشرف سيناريوهات التصعيد المحتملة، ونضع المنطقة العربية في سياقها الإقليمي والدولي.
أولاً: دروس التاريخ – لماذا اندلعت الحروب الكبرى؟
قبل الحرب العالمية الأولى، اجتمعت مجموعة من العوامل دفعت العالم نحو الهاوية ومن ذلك التنافس الإمبراطوري على المستعمرات والموارد وشبكات التحالفات العسكرية المغلقة التي حوّلت أي نزاع محلي إلى صراع قاري، وصعود القومية المتطرفة فضلاً عن التوترات الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت الحكومات لتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج.
وبالمثل، سبقت الحرب العالمية الثانية عوامل أعمق ومن ذلك معاهدة فرساي التي أذلّت ألمانيا وخلقت أرضاً خصبة للنازية، والكساد العظيم الذي أدى إلى صعود الأنظمة الاستبدادية والفشل الدبلوماسي في ردع العدوان ولهذا الدرس الأهم هنا أن الحروب الكبرى لا تندلع بسبب حادث واحد، بل نتيجة تداخل عوامل تاريخية واقتصادية ونفسية تتراكم حتى تصل إلى نقطة الانفجار.
ثانياً: خريطة القوى العالمية اليوم
الولايات المتحدة الأمريكية
لا تزال واشنطن تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، حيث بلغ إنفاقها الدفاعي نحو 883 مليار دولار في 2024 وهذا يعني مايعادل تقريباً نصف الإنفاق العسكري العالمي غير أن الانقسام الداخلي والضغوط الاقتصادية تدفعها للتراجع التدريجي عن دورها التقليدي كـ”شرطي العالم” مع محاولة الحفاظ على نفوذها عبر شبكة تحالفاتها في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
الصين
الصين هي القوة الصاعدة الأكبر عالمياً، وتوسّعت بشكل لافت في قدراتها البحرية والجوية. التقديرات تشير إلى أنها قد تتمكن بحلول 2030 من فرض هيمنة فعلية على محيطها الآسيوي ولهذا التنافس الأمريكي-الصيني على الهيمنة الدولية بات اليوم المحرك الرئيسي للتوترات العالمية وقد يُفضي إلى مواجهة واسعة إذا تعثرت قنوات الحوار.
روسيا
قوة عسكرية تقليدية ونووية كبيرة، لكن اقتصادها يعاني مقارنة بالصين وأمريكا.” فالحرب في أوكرانيا أنهكتها اقتصادياً، لكنها عززت التماسك الداخلي حول القيادة ولهذا الرئيس بوتين صرّح علناً بأن احتمالات نشوب صراع عالمي “في ازدياد” في إشارة لافتة من قائد إحدى القوى النووية الكبرى.
ثالثاً: تايوان – الشرارة الأخطر
تُعدّ تايوان أخطر نقطة توتر في العالم اليوم الصين تعتبرها “قضية وجودية” لا تقبل التفاوض، بينما تراها أمريكا اختباراً لمصداقيتها أمام حلفائها وفق تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن سيناريو الحصار أو العزل أكثر احتمالاً من الغزو الكامل في المدى القريب، لكن ذلك لا يقلل من خطورة الموقف إذ قد يؤدي أي حادث بحري أو جوي إلى تصعيد غير محسوب.
استطلاعات الرأي تكشف أن 60% من التايوانيين يعتقدون أن القوة العسكرية الأمريكية تتفوق على الصينية بينما 50% من الأمريكيين يؤيدون استخدام البحرية لكسر أي حصار صيني محتمل هذه الأرقام تعكس حالة من الثقة قد تدفع نحو مواقف أكثر تصلباً من الطرفين.
رابعاً: الشرق الأوسط – ساحة التأثير لا المواجهة المباشرة
إذا اندلع صراع في آسيا حول تايوان، فإن تداعياته ستمتد مباشرة إلى الخليج والشرق الأوسط لأن انشغال أمريكا في المحيط الهادئ سيخلق “فراغاً أمنياً” في المنطقة، قد تستفيد منه إيران وحلفاؤها في اليمن والعراق قد يشهدان تصعيداً في حروب الوكالة، بينما تتسارع التحولات في خريطة التحالفات الإقليمية.
التوتر بين إيران وإسرائيل يظل بؤرة قابلة للاشتعال تقارير دولية تشير إلى دعم روسي-صيني لمواقف طهران، وإن لم يتضح بعد ما إذا كان هذا الدعم سيترجم إلى تدخل مباشر. أي تصعيد بين الطرفين قد يشعل سلسلة من ردود الفعل تمتد لتشمل دولاً عدة في المنطقة.
خامساً: التحالفات الخليجية الجديدة – السعودية في الصدارة
تشهد المنطقة تحولاً استراتيجياً لافتاً في بنية التحالفات فالمملكة العربية السعودية وقّعت اتفاقية دفاعية استراتيجية مع باكستان، تُعدّ تحولاً جيوسياسياً مهماً جدا حيث يُعتبر أي هجوم على إحدى الدولتين هجوماً عليهما معاً.
هذا الاتفاق يعكس رغبة المملكة في تنويع تحالفاتها خارج الإطار الأمريكي التقليدي، وبناء شبكة دفاعية إقليمية قوية.
السعودية اليوم تمتلك شبكة تحالفات واسعة تضم: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وتركيا، وقطر، ومصر، والأردن، وباكستان. هذا التنوع يمنحها مرونة استراتيجية غير مسبوقة، ويعزز موقعها كـ”قطب إقليمي” قادر على التأثير في مسارات الصراع دون الارتهان لطرف واحد.
العلاقة السعودية-الإماراتية: تنافس ضمن التنسيق
العلاقة بين الرياض وأبوظبي تشهد تحولات واضحة، خاصة في ملفات مثل اليمن وسياسات النفوذ الإقليمي. كل طرف يدعم مايراه حق إلا أن المملكة مختلفة تماما؛ لأنها دائما تقف مع الشرعية؛ مما أدى إلى تراجع التعاون التقليدي في بعض الملفات.
لكن هذا لا يعني “سقوط التحالف”، بل يشير إلى تصورات استراتيجية مختلفة: السعودية تسعى لتحالفات أوسع مع القوى الإسلامية والعالمية، بينما تركز الإمارات على النفوذ الاقتصادي والتحالف مع قوى آسيوية كالهند وبعض الجماعات المدعومة من إسرائيل أو بالأصح تحقق توافق معها.
التحليل الموضوعي يشير إلى أن السعودية تحتفظ بـ”النفوذ الأكبر” على الساحة الإقليمية، بفضل تحالفاتها الدفاعية وثقلها الدبلوماسي التاريخي ومواردها الضخمة بينما الإمارات، رغم وجود نجاحات اقتصادية، لم تتمكن من بناء شبكة تحالفات دفاعية مماثلة مما يقوي جانب الدبلوماسية السعودية وقد يشير لأنها تحمل مواقف شرعية يتفق عليها العالم أجمع وخاصة العربي والإسلامي.
سادساً: اليمن والعراق – مستقبل الخمس سنوات القادمة
اليمن
من المتوقع أن يشهد اليمن تصاعداً في حروب الوكالة، مع احتمال انفجارات داخلية قد تغير معادلات الصراع فالبلد يتحول تدريجياً إلى “ساحة تفاوض إقليمي” بين القوى المتنافسة، مع اتفاقات هشة قابلة للانهيار في أي لحظة.
العراق
يُتوقع تزايد النفوذ الإيراني سياسياً، مع دخول روسيا والصين بشكل أكثر وضوحاً فالعراق يتحول إلى “دولة متداولة” بين القوى الإقليمية والدولية، مما يضعف سيادته ويعقّد مسار بناء الدولة.
سابعاً: ماذا يقول الرأي العام العالمي؟
استطلاعات الرأي في الدول الغربية تكشف عن قلق شعبي واسع في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة، يعتقد أكثر من نصف المواطنين أن احتمال حرب عالمية ثالثة خلال 5-10 سنوات “مرتفع” وأن استخدام الأسلحة النووية وارد إذا اندلع الصراع وهذا الوعي الشعبي مؤشر مهم على إدراك الناس لهشاشة النظام الدولي الراهن.
دول أوروبية عدة بدأت استعدادات ملموسة: بريطانيا تخطط لبناء 12 غواصة جديدة، السويد زادت ميزانيتها العسكرية 34%، بولندا رفعتها 31%، وألمانيا تدرس تحويل محطات المترو إلى ملاجئ هذه ليست مجرد تقارير دبلوماسية، بل استعدادات واقعية على الأرض.
ثامناً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: حرب اقتصادية وتقنية
صراع عبر العقوبات والحرب السيبرانية والسباق التكنولوجي، دون مواجهة عسكرية مباشرة. هذا السيناريو “الأكثر واقعية” في القرن الحادي والعشرين.
السيناريو الثاني: حروب بالوكالة متعددة الجبهات
تصعيد في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا عبر وكلاء وتحالفات، دون تدخل مباشر من القوى الكبرى.
السيناريو الثالث: مواجهة مسلحة مباشرة
تايوان تظل الشرارة الأخطر تصعيد هناك قد يجر أمريكا والصين إلى مواجهة واسعة، بامتدادات عالمية وهذا لاشك هو السيناريو “الأخطر” من حيث التبعات وليس الشرق الأوسط كما يعتقد البعض.
الخلاصة: عالم في توازن هش
لا يمكن الجزم بأن الحرب العالمية الثالثة حتمية، لكن المؤشرات المتراكمة تشير إلى احتمال عابأن العالم يعيش مرحلة “حرب متعددة الأبعاد”: اقتصادية، وتقنية، وجيوستراتيجية، أكثر منها حملة عسكرية تقليدية.
العقد القادم (حتى 2030) يحمل احتمالات قوية للتصعيد إذا لم تتغير قواعد النظام الدولي.
في هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية في موقع استراتيجي قوي: تحالفات متنوعة، واستقلالية متزايدة في القرار، وقدرة على التأثير في مسارات الصراع الإقليمي والتحدي الأكبر يبقى في إدارة هذه التحالفات بحكمة، والحفاظ على التوازن في عالم يتجه نحو مزيد من التقلبات والتحالفات لهذا اختيار الحليف الاستراتيجي اصبح ضرورة.