أجبرت أعمال العنف في منطقة تهريب المخدرات في مجمع الإسكان الاجتماعي بجوار مقر «أورانج» للاتصالات في مرسيليا على إغلاق بوابات الشركة وتحويل آلاف موظفيها إلى العمل من المنزل.
وأصبح تعطل عمل شركة معروفة مثل هذه مؤشراً جديداً على كيفية إعادة تشكيل تجارة المخدرات وانعدام الأمن للسياسة قبل الانتخابات البلدية. وفي استطلاع رأي أجري أخيراً، احتل الأمن المرتبة الأولى بين اهتمامات الناخبين، ما أجبر المرشحين من مختلف الأطياف على تقديم ردود متباينة على تجارة المخدرات.
وقالت مارتين فاسال، المرشحة من يمين الوسط: «الموضوع الأول هو الأمن. في الميدان أكثر ما أسمعه هو أن الناس يقولون لي إنهم لم يعودوا يتنقلون في وسط المدينة لهذا السبب».
وتراقب الأحزاب السياسية الفرنسية المنافسة عن كثب بحثاً عن أدلة على المعارك الأوسع نطاقاً التي تتشكل استعداداً لسباق الرئاسة عام 2027. ومن نواحٍ عدة، تعتبر مرسيليا صورة مصغرة لفرنسا ككل، حيث تعكس التركيبة السكانية الأوسع للبلاد وأكبر معاركها السياسية، وهناك تنوع في المدينة، والأحياء متعددة الثقافات وذات الدخل المنخفض التي تميل إلى دعم اليسار المتشدد، تجاور الضواحي المحافظة التي تحولت إلى اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة. وكما هي الحال في معظم أنحاء فرنسا، يتأرجح الدعم للوسط السياسي في مرسيليا.
انتخابات مارس
ولايزال المرشح اليساري الحالي، بينوا بايان، المرشح المفضل في انتخابات مارس، لكن فرانك أليسيو، مرشح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، يتخلف عنه بقليل، حيث يحصل كلاهما على نحو 30% من الأصوات.
وتضرب القضايا المطروحة في صميم هوية مرسيليا: تجارة المخدرات الشهيرة، والفقر المتجذر، والفشل في الاستفادة من المزايا التنافسية لمدينة شابة مُشمسة تقع في موقع استراتيجي على البحر الأبيض المتوسط.
وأي مرشح يستطيع صياغة برنامج انتخابي يتناول الواقع المحلي لمرسيليا مع معالجة المخاوف المشتركة في جميع أنحاء فرنسا، سيكون في وضع جيد للفوز برئاسة البلدية، وتزويد حزبه بخطة محتملة لحملة الرئاسة عام 2027.
ولطالما عانت مرسيليا من عقدة «الأخ الأصغر» تجاه باريس، وهو شعور بالاستياء يتجاوز المنافسة الكروية بين باريس سان جيرمان وأولمبيك مرسيليا. وينظر كثيرون في المدينة إلى العاصمة الفرنسية على أنها مركز قوة بعيد يحاول فرض حلوله على مرسيليا دون استشارة الخبراء المحليين بشكل كافٍ.
وفي هذا السياق، يقول أليسيو: «تتعامل باريس مع مرسيليا وكأنها مستعمرة تقريباً» مضيفاً: «مكان تزوره وتقطع وعوداً دون أي ضمان بأن الأموال ستُنفق يوماً ما».
وعندما يتعلق الأمر بتهريب المخدرات والأمن، يتفق القادة من مختلف الأطياف السياسية على أن باريس تصف دواء يعالج أعراض الأزمة، لا أسبابها.
وعادت أعمال العنف المرتبطة بتجارة المخدرات إلى دائرة الضوء في نوفمبر مع مقتل مهدي كيساسي البالغ من العمر 20 عاماً. وتحقق السلطات في الجريمة باعتبارها عملاً (تخويفياً). وشقيق مهدي، أمين كيساسي، هو أحد أبرز نشطاء مكافحة الاتجار في المدينة، وقد اشتهر بعد مقتل شقيقه، الذي كان متورطاً في التجارة، قبل عدة سنوات.
وزار الرئيس إيمانويل ماكرون، ووزير الداخلية، لوران نونييه، ووزير العدل، جيرالد دارمانين، مرسيليا في أعقاب مقتل كيساسي، حيث حددوا خطة صارمة لمكافحة الجريمة لوقف العنف وتدفق المخدرات.
القانون والنظام
ويؤكد السكان المحليون أن الاستثمارات في مجال القانون والنظام يجب أن يقابلها تمويل للخدمات العامة. وما لم تحسن السلطات الاقتصاد الراكد الذي شجع الشباب العاطلين عن العمل على اللجوء إلى تجارة المخدرات، فإن المشكلة ستستمر.
وقالت كوثر بن محمد، وهي عاملة اجتماعية سابقة تحولت إلى ناشطة: «القمع وحده ليس فعالاً. لو كان الأمر كذلك لما ازدهرت تجارة المخدرات كما هي الآن».
ويعتبر السكن مشكلة أخرى، حيث يعيش العديد من السكان الفقراء في مبانٍ خطرة ومتهالكة. وقال محبوبي تير، شاب طويل القامة يتمتع ببنية جسدية لافتة: «نحن نعيش في مدينة قذرة. نحن لسنا آمنين هنا».
وأمضى تير شهراً في غيبوبة وعدة أشهر أخرى في المستشفى في أبريل الماضي، بعد أن تعرض للاعتداء خلال نزاع على موقف سيارات، وكان وجهه لايزال متورماً ومشوهاً عندما تحدث إلى «بوليتيكو» عن كيفية إعادة تشكيل الحادث لعلاقته بالمدينة التي نشأ فيها.
مشكلة الأمن
ولايزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن للمجموعات النشطة في مرسيليا أن تحدث تغييراً في مدينة تعاني من صراعات مستمرة منذ عقود، لكن المرشحين الأربعة الرئيسين لمنصب العمدة يتفقون على تشخيص مشابه، فهُم جميعاً يعتقدون أن قصص الجرائم المروعة التي تتصدر عناوين الصحف الوطنية هي نتيجة لعدم توافر فرص العمل وإهمال الخدمات العامة، وأن استجابات الدولة الفرنسية لا تصل إلى الهدف المنشود، وبدلاً من الاعتماد على عقوبات أشد كرادعٍ يرون أن الدولة يجب أن تعطي الأولوية للشرطة المحلية والاستثمار العام.
وعندما أعلن بايان ترشحه لإعادة انتخابه، تعهد بتوفير وجبات مجانية لـ15 ألف طالب ومضاعفة عدد رجال الشرطة المحليين كجزء من حملة لتعزيز الشرطة المجتمعية. في المقابل تركز خطة أليسيو على الإنفاق المتعلق بالأمن وتتضمن «زيادة المراقبة بالفيديو، وتوفير المزيد من المركبات للشرطة المحلية، وإنشاء وحدات متخصصة لمكافحة السطو والاضطرابات العامة».
من جهتها، قدمت فاسال، التي تنتمي إلى يمين الوسط ويدعمه حزب «الجمهوريون» المحافظ والأحزاب المتحالفة مع ماكرون، اقتراحاً مماثلاً لتسليح مراقبي ومفتشي وسائل النقل العام. عن «بوليتيكو»
تخفيضات غير محددة في الإنفاق
يدعو كل من فرانك أليسيو ومارتين فاسال إلى إجراء تخفيضات غير محددة في الإنفاق مع الحفاظ على الخدمات الأساسية المقدمة على المستوى المحلي، مثل المدارس ووسائل النقل العام والمتنزهات والترفيه.
وقالت فاسال، التي تحتل المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي، إنها ستجعل وسائل النقل العام مجانية للمقيمين الذين تقل أعمارهم عن 26 عاماً للتنقل عبر المدينة المترامية الأطراف.
وتتهم الإدارة الحالية بعدم إصدار عدد كاف من تراخيص البناء، ما أدى إلى إبطاء تطوير المساكن والمباني المكتبية الجديدة، وبالتالي إعاقة إعادة إحياء المناطق الأكثر تضرراً في مرسيليا، وهو اتجاه تعهدت بتغييره.
ويدعو كل من فاسال وأليسيو إلى تخفيض الضرائب المحلية على الممتلكات لتعزيز الأعمال التجارية الصغيرة وخلق فرص عمل جديدة، كما قدم أليسيو اقتراحاً بجعل وقوف السيارات لمدة تقل عن 30 دقيقة مجانياً لتسهيل عمليات التسليم والتوقف السريع لشراء المنتجات.
. أصبح تعطل عمل شركة معروفة مثل «أورانج» مؤشراً جديداً على كيفية إعادة تشكيل تجارة المخدرات وانعدام الأمن للسياسة قبل الانتخابات البلدية.
. الأحزاب السياسية الفرنسية المنافسة تراقب عن كثب بحثاً عن أدلة على المعارك الأوسع نطاقاً التي تتشكل استعداداً لسباق الرئاسة عام 2027.
